'الخطيفة' دراما تونسية تعيد قراءة الأمومة

مسلسل سوسن الجمني يطرح سؤالا أساسيا من يعود إليه الابن الضائع حقًا؟

نجحت المخرجة سوسن الجمني مرة أخرى في تأكيد قدرتها على إثارة النقاش داخل الفضاء الاجتماعي التونسي، ليس فقط عبر الموضوعات الجريئة التي تطرحها، بل أيضًا من خلال الطريقة التي تعيد بها صياغة الأسئلة الأخلاقية والإنسانية في قالب درامي مشحون بالعاطفة والتوتر. ففي الحلقة الأخيرة من مسلسل "الخطيفة"، الذي عرض على قناة الحوار التونسي (الخاصة) ضمن الموسم الرمضاني الحالي، اختارت الجمني أن تُبقي النهاية مفتوحة على مفارقة شعورية معقدة، بدل تقديم خاتمة تقليدية مطمئنة.

يحمل عنوان المسلسل "الخطيفة" دلالة مزدوجة في المخيال الشعبي التونسي؛ فمن جهة يشير إلى فعل الاختطاف، وهو الحدث الذي يطلق الشرارة الأولى للسرد، ومن جهة أخرى يحيل إلى طائر الخُطّاف، ذلك الطائر المهاجر الذي يرتبط حضوره في الثقافة الشعبية بفكرة الرحيل والعودة.

ولا يبدو هذا التداخل الدلالي مجرد لعبة لغوية، بقدر ما يشكّل مفتاحًا لقراءة العمل بأكمله. فالطفل "يوسف" ليس فقط ضحية جريمة اختطاف، بل يتحول إلى كائن معلّق بين عالمين: عالم النشأة الذي ربّته فيه "آسيا"، وعالم الأصل البيولوجي الذي تمثله "خديجة". وكما يهاجر طائر الخطاف ثم يعود، تبدو رحلة "يوسف" في جوهرها رحلة عودة ملتبسة، لا تعيد التوازن بقدر ما تكشف هشاشته.

منذ الحلقة الأولى، بنى العمل توتره الدرامي حول سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: من هي الأم الحقيقية؟ هل هي التي أنجبت، أم التي ربّت؟

هذا السؤال الأخلاقي يتحول تدريجيًا إلى معضلة وجودية تمسّ أحد أكثر الروابط الإنسانية حساسية: رابطة الأمومة. وهنا تتقاطع مصائر شخصيتي "آسيا" و"خديجة"، اللتين أدتهما بإقناع كبير كل من ريم الرياحي ولمياء العمري.

لا يقدّم المسلسل هاتين الشخصيتين بوصفهما خصمين تقليديين في صراع درامي، بل باعتبارهما وجهين لجرح واحد؛ فـ"آسيا" تمثل الأم التي ربّت وبنت عالمًا عاطفيًا كاملًا حول طفلها، بينما تجسد "خديجة" الأم التي فقدت ابنها وظلت سنوات طويلة تعيش على أمل عودته. وبين هاتين التجربتين يتشكل مأزق إنساني مركّب يصعب حسمه بسهولة.

وقد نجحت الكاتبة سندس عبدالرحمن في صياغة هذا المأزق بذكاء سردي واضح؛ إذ لم تقدّم الصراع في صورة مواجهة مباشرة، بل جعلته يتسلل تدريجيًا إلى وعي الشخصيات والمتلقي معًا. فكلما اقتربت الحقيقة من الانكشاف، ازداد السؤال الأخلاقي تعقيدًا: هل استعادة الحق البيولوجي تعني بالضرورة استعادة العلاقة الإنسانية؟

في هذا السياق، يبرز أداء ريم الرياحي كأحد أعمدة العمل الأساسية. فصرخة "آسيا" في الحلقة الأخيرة لم تكن مجرد انفجار عاطفي، بل بدت تجسيدًا دراميًا لفكرة الأمومة المهددة بالاقتلاع، إذ تنقلت الرياحي بمهارة بين هشاشة الانكسار وبين التمسك الغريزي بالابن.

في المقابل، قدمت لمياء العمري شخصية "خديجة" بنبرة مختلفة، أقل صخبًا وأكثر كثافة شعورية. فإيمانها المستمر بأن ابنها ما يزال حيًا ــ في عبارتها المؤثرة: "ولدي مازال حي… نحسّ بيه" ــ لا يبدو مجرد حدس أمومي، بل يحيل إلى تناص واضح مع قصة النبي يوسف، حيث يصبح الأمل فعل مقاومة ضد الفقد.

وليس هذا التناص تفصيلاً عابرًا في بنية العمل؛ فاسم "يوسف"، الذي أداه الممثل الشاب محمد مراد، يفتح الباب أمام قراءة رمزية أوسع. وكما في الحكاية القرآنية، يتحول الفقد إلى مسار طويل من الانتظار، بينما يصبح اللقاء المنتظر لحظة ملتبسة لا تعيد الأشياء بالضرورة إلى ما كانت عليه.

المفارقة الكبرى التي يطرحها المسلسل تكمن في أن عودة الابن لا تعني بالضرورة عودة التوازن. فـ"يوسف"، الذي نشأ في بيئة عائلية مستقرة ومتناغمة، يجد نفسه فجأة أمام واقع مختلف ومنظومة قيم أخرى. هذا الانتقال المفاجئ بين عالمين يترك الشخصية في حالة من التشظي النفسي، وهو ما التقطته كاميرا الجمني بذكاء في اللقطة الختامية التي ركزت على دمعة معلقة في عين الشاب.

تلك الدمعة، التي اختزلت شعور الضياع والغربة، كانت ربما أبلغ من أي حوار؛ فهي توحي بأن الضحية الحقيقية في هذا الصراع ليست الأمّين فحسب، بل الابن الذي وجد نفسه فجأة موضوع نزاع بين حقيقتين متعارضتين.

وتبرز هنا أيضًا مفارقة شخصية "خديجة"، التي تمثل رمزًا لكثير من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن. فقد ظلت سنوات طويلة تقاوم فكرة موته، وظل وجعه حاضرًا في علاقتها بمحيطها وبقية أبنائها، لاسيما أصغرهم سنًا. وقد جسدت لمياء العمري هذا الوجع باحترافية عالية، محوّلة الألم إلى صور درامية مؤثرة. غير أن المفارقة المؤلمة أن الأم، حين عاد ابنها إليها، لم تحتضن وجعه بقدر ما اكتفت بتضميد جرحها هي.

ومن الصور الرمزية اللافتة في العمل حديث "خديجة" عن عشّ الخطيفة، المرتبط في المخيال الشعبي التونسي بحكايات وأساطير عن الهجرة والعودة. فقد روت أنها دهنت ظهر هذا الطائر بالزيت قبل ولادتها بيوم، راجية أن ترزق بطفل صالح، في إشارة توحي بفكرة التعويض الإلهي، حيث قد يأتي الخير من رحم الفقد، في استعارة قريبة من المعنى القرآني في قوله تعالى: "فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحما".

وهكذا يبدو أن القدر أعاد "يوسف" إلى أمه، لكنه عاد وقد تشكّل في بيت آخر وقيم أخرى. وهنا تتجلى المفارقة الأعمق: فالأم التي أنجبته لم تكن بالضرورة من صنع إنسانيته، بينما نجحت "آسيا" في تربية شاب مثالي مقارنة بأبناء "خديجة".

من الناحية الإخراجية، حافظت سوسن الجمني على أسلوبها القائم على تغليب البعد الإنساني على الميلودراما الصاخبة. فالكاميرا لم تنحز بوضوح لأي من الشخصيتين، بل وضعت المشاهد في موقع القاضي المتردد، العاجز عن إصدار حكم نهائي.

ورغم بعض الملاحظات التي سجلها جزء من الجمهور حول تسارع الإيقاع في الحلقة الأخيرة، فإن العمل نجح إجمالاً في تقديم دراما اجتماعية كثيفة تجمع بين التشويق السردي والتأمل في العلاقات الإنسانية المعقدة.

كما أسهم حضور عدد من الأسماء البارزة في الدراما التونسية في تعزيز ثقل العمل، من بينهم كمال التواتي وأميمة بن حفصية وعزة سليمان والصادق حلواس وغانم الزرلي، إضافة إلى حضور وجوه شابة منحت المسلسل طاقة متجددة.

في النهاية، لا يمكن قراءة "الخطيفة" باعتباره مجرد مسلسل عن طفل مخطوف، بل هو في جوهره حكاية عن الأمومة بوصفها علاقة تتجاوز البيولوجيا. فالأم، كما يوحي العمل، ليست فقط من تمنح الحياة، بل أيضًا من تمنح لهذه الحياة معناها.

ولهذا ربما لم تكن النهاية سعيدة بالمعنى التقليدي، لكنها جاءت صادقة مع سؤال العمل الأساسي: حين يعود الابن الضائع.. من الذي يعود إليه حقًا؟

ولا يمكن قراءة المسلسل من دون التوقف عند شخصية الأب "لزهر"، التي جسدها كمال التواتي، الطبيب المعروف الذي اختار في النهاية الخروج عن صمته ومساعدة "يوسف" على معرفة الحقيقة، محركًا خيوطها في الخفاء. غير أن هذا القرار لم يقترن بجرأة مماثلة في العلن؛ إذ عجز عن التضحية بزوجته أو مواجهة العاصفة التي فجّرتها الحقيقة، فآثر الصمت واكتفى بدور الوسيط الخفي.

هذا الصمت لم يكن مجرد موقف عابر، بل تحول إلى عنصر درامي مثير للجدل. فقد رأى بعض المشاهدين في الشخصية ضعفًا لا يليق بثقل ممثل بحجم كمال التواتي، بينما يمكن قراءتها، على العكس من ذلك، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا في العمل. فاختيار الصمت، في لحظة تستدعي المواجهة، ليس قرارًا سهلًا؛ إذ يعني التخلي عن حق الدفاع عن النفس، سواء أمام الابن أو أمام القانون.

بهذا المعنى، تبدو شخصية "لزهر" أسيرة صراع داخلي مركّب: بين وفائه لزوجته، وجلده لنفسه على واقع لم يستطع تغييره، وبين شعوره بالانكسار بعد فقدان الابن الذي بنى عليه آماله الشخصية والمهنية. فـ"يوسف" لم يكن بالنسبة إليه مجرد ابن، بل امتدادًا لحياته وخبرته، ووريثًا لمسار مهني طويل. لذلك بدا صمته في النهاية أقرب إلى اعتراف داخلي بالعجز أمام قدرٍ سبق الجميع، أكثر منه علامة ضعف.

وفي المحصلة، نجحت المخرجة سوسن الجمني هذا العام، عبر مسلسل الخطيفة، في إعادة المشاهد التونسي إلى أجواء أعمال "الزمن الجميل" للدراما التلفزيونية. فقد قدّم العمل حكاية إنسانية وجد التونسيون في تفاصيلها وقضاياها شيئًا من ذواتهم؛ في مشهدٍ يلامس الذاكرة، أو في أغنيةٍ تستدعي الحنين، أو في حوارٍ يعكس ببساطة تعقيدات الحياة اليومية. ولذلك بدا المسلسل، في النهاية، أقرب إلى مرآة اجتماعية أعادت للدراما قدرتها القديمة على جمع المشاهدين حول قصة تشبههم وتروي شيئًا من حكاياتهم.