لماذا لا تستثمر الدراما الرمضانية في مشروع ثقافي مغربي؟
ماذا لو تحولت كل البرامج التلفزيونية المغربية من الأفلام الطويلة إلى الدراما الرمضانية والبرامج الثقافية والفنية إلى منصة حقيقية لنشر الثقافة والتاريخ المغربي العريق، فتستحضر إرث جامعة القرويين وابن رشد وسجلماسة وفاس وتطوان، وتروي قصص العلماء والفقهاء والتجار والمبدعين الذين بنوا حضارة امتدت قرونًا، وتعرّف الأجيال بتطور المغرب السياسي والاقتصادي والقانوني منذ الاستقلال وحتى اليوم؟ هل سنظل نحتاج إلى تكرار قصص الحب الفاشلة المملة التي تُعاد صياغتها كل موسم بنفس النمطية، أم سنتخلى عن الإفراط في التركيز على الطلاق والزواج والنزاعات الأسرية والنسوية السطحية التي غالبًا ما تُقدَّم بطريقة تجارية تثير الجدل الرخيص بدلًا من بناء وعي؟ ألن نكسب أكثر لو استبدلنا هذه التفاهات بمحتوى يحفظ الهوية الوطنية، يزرع الفخر بالماضي، يشجع على الاجتهاد والابتكار، ويبني أجيالًا واعية بتاريخها وقوانينها وإمكانيات تطورها، عوض عن بناء أجيال تستهلك دراما عاطفية عابرة تُنتج بسرعة لتحقيق نسب مشاهدة مؤقتة و عقليات فاشلة أخلاقيا وثقافيا ودينيا؟
يُعد شهر رمضان في المغرب موسمًا إعلاميًا مميزًا يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الإنتاج الدرامي والترفيهي على القنوات العمومية والخاصة لكنه مكرر الوجوه و الصيغة، أي تقديم السيتكومات والمسلسلات الاجتماعية والأشرطة التلفزيونية القصيرة وبرامج الكاميرا الخفية والفقرات الترفيهية، كمحتوى يستهدف جمهورًا واسعًا، إذ تحقق هذه البرامج نسب مشاهدة مرتفعة نسبيًا، وهذا يدل على قبول الجمهور لها كجزء من الطقوس الرمضانية اليومية، بينما يبرز سؤال تحليلي حول طبيعة هذا الإنتاج: هل يقتصر دوره على تقديم ترفيه مؤقت يتناسب مع أجواء الشهر، أم أنه يحمل إمكانية أن يصبح من خلال تعديل الاستراتيجيات الإنتاجية وسيلة لنقل معارف علمية وثقافية وبناء وعي طويل الأمد؟ ما الذي يمكن تعلمه من تجارب دول مثل الصين واليابان التي ربطت الإعلام التلفزيوني بأهداف تربوية وطنية؟ وكيف يمكن تقييم التوازن الحالي بين الأولويات الترفيهية والأهداف التنموية في السياسة الإعلامية المغربية؟
تعتمد السيتكومات الرمضانية في الغالب على آليات فكاهية مبنية على المواقف اليومية والتناقضات الاجتماعية المألوفة، وتُنتج بوتيرة سريعة وبميزانيات محدودة نسبيًا مقارنة بإنتاجات درامية أخرى، إذ يركز هذا النوع من الأعمال على إثارة الضحك اللحظي من خلال الحوارات السريعة والشخصيات النمطية، يجعله مناسبًا للاستهلاك اليومي خلال الشهر. في حين يُسجل بعض المتابعين أن هذه الأعمال نادرًا ما تتجاوز السطحي إلى تقديم نقد اجتماعي معمق أو طرح قضايا مستقبلية، وهو ما يجعل تأثيرها ينحصر غالبًا في الترفيه العابر دون تراكم معرفي ملحوظ لدى الجمهور الشاب الذي يمثل شريحة كبيرة من المشاهدين.
وتشكل المسلسلات الدرامية الاجتماعية العمود الفقري للبرمجة الرمضانية، كونها تركز على الصراعات العائلية والعلاقات الاجتماعية والتحديات الاقتصادية والنفسية التي تعكس مظهريا جوانب من الواقع المغربي المعاصر، إذ تتميز هذه الأعمال بقدرتها على جذب جمهور عريض بفضل القرب من التجربة اليومية واللغة المحلية والإيقاع العاطفي. في حين، تظل المواضيع العلمية والتكنولوجية والتربوية المستقبلية غائبة أو هامشية في معظمها، وهذا يجعلها في التحليل أقرب إلى توثيق الواقع الحالي منها إلى اقتراح رؤى مستقبلية أو تعزيز الوعي بالابتكار والمعرفة كمحركات للتنمية.
وتعتمد برامج الكاميرا الخفية والمقالب ضمن الفقرات الترفيهية في بعض القنوات، على تصوير تفاعلات عفوية غالبًا ما تتضمن عنصر المفاجأة أو الإحراج الخفيف، وكشكل من أشكال الترفيه السريع الذي يتناسب مع أوقات الإفطار والسهرات العائلية، بينما تثير هذه الصيغة نقاشًا حول حدود الخصوصية والقيم الأخلاقية المرتبطة بالضحك على حساب الآخرين، مقارنة بصيغ ترفيهية أخرى في سياقات دولية تفضل دمج الإيجابية والدروس السلوكية ضمن الترفيه.
وترتكز الأشرطة التلفزيونية القصيرة والبرامج الترفيهية غير الدرامية على قوالب متكررة نسبيًا تشمل سماع المديح والحوارات الفنية و الثقافية الفجة، وتُنتج غالبًا من قبل نفس الشركات والفرق الإنتاجية، إذ يساهم هذا التكرار في ضمان استمرارية الإنتاج وتوافر المحتوى بكميات كبيرة خلال الشهر، بينما يبقى التنوع الموضوعي محدودًا، وقليلة هي الأعمال التي تدمج مواضيع علمية أو تاريخية أو ثقافية معمقة ضمن هذه الصيغ، على عكس نماذج إعلامية في بعض الدول الآسيوية التي تستخدم صيغًا مشابهة لنقل معارف متخصصة.
ويمكن الاستفادة من تجارب الصين واليابان، خاصة عندما يُخصص جزء من الإنتاج التلفزيوني بما في ذلك خلال الفترات الرمضانية المماثلة أو المواسم السنوية لأعمال تجمع بين الترفيه والمعرفة، كالمسلسلات التاريخية التي تبرز الإنجازات العلمية والتكنولوجية، أو البرامج التعليمية-ترفيهية الموجهة للشباب، لأنه في هذه التجارب يُدمج الإعلام ضمن استراتيجية وطنية أوسع لتعزيز الهوية والقدرة التنافسية، في حين أن في المغرب يظل التمويل العمومي يركز بشكل أساسي على إنتاجات تحقق نسب مشاهدة مرتفعة في المدى القصير، مع غياب نسبي لبرامج تربوية-علمية مكثفة ضمن الذروة الرمضانية.
ويطرح السؤال حول إمكانية تعديل الاستراتيجية الإنتاجية باتجاه دمج أهداف تربوية ضمن الأعمال الرمضانية، سواء من خلال مسلسلات تاريخية تُركز على الإسهامات العلمية العربية الإسلامية بأسلوب سردي مشوق، أو برامج ترفيهية تعرف بالمفاهيم العلمية الحديثة كالذكاء الاصطناعي أو الطاقة المتجددة عبر شخصيات وقصص جذابة، أو حتى سيتكومات تُدمج فيها عناصر من التفكير النقدي والابتكار، في جين يتطلب ذلك تغييرًا في معايير التمويل والإنتاج والتقييم، مع مراعاة الحفاظ على الجاذبية الجماهيرية التي تُعد شرطًا أساسيًا لاستمرار الوصول إلى الجمهور.
وتشكل الدراما والترفيه الرمضاني المغربي حاليًا ظاهرة إعلامية ناجحة ظاهريا من حيث الانتشار والقبول الشعبي، ويحقق أهداف الترفيه الموسمي بكفاءة نسبية، بينما يبقى دوره في بناء الوعي العلمي والثقافي طويل الأمد محدودًا مقارنة بإمكانياته النظرية، إذ يعتمد أي تحول نحو نموذج أكثر تربوية على قرارات سياسية وإنتاجية واضحة، مع دراسة دقيقة لتجارب دولية ناجحة، لتحديد ما إذا كان بالإمكان الجمع بين الجاذبية الجماهيرية والقيمة المعرفية المستدامة، أم أن التوازن الحالي بين الترفيه العاجل والأهداف التنموية البعيدة هو الأقرب إلى الواقع الراهن.