'الخنافس' من التقديس المصري إلى موسيقى الروك
الجُعران هو نوع محدد من الخنافس، وتحديدًا "خنفساء الروث" التي اشتهرت في مصر القديمة، كرمز ديني يمثل الشمس والبعث. وهو حشرة حقيقية سوداء اللون تقوم بدحرجة كرات الرَّوَث، وكان يُنظر إليه كرمز مقدس للتحول والتجدَّد.
وتدلنا موسوعة "ويكيبيديا الإنجليزية" على أن الجعارين هي تمائم وأختام مطبوعة على شكل خنافس تحمل الاسم نفسه، والتي كانت شائعة على نطاق واسع في جميع أنحاء مصر القديمة. وهي لا تزال موجودة بأعداد كبيرة حتى اليوم، ومن خلال نقوشها وتصنيفها، تثبت هذه القطع الأثرية أنها مصدر مهم للمعلومات لعلماء الآثار ومؤرخي مصر القديمة، وتمثل مجموعة كبيرة من فنونها.
وقد شاهدت الرحالةُ الروائية والصحفية الإنجليزية أميليا ب. إدواردز (1831–1892) هذا الجُعران أثناء رحلتها الجماعية، التي وضعتْ بعدها كتابَها "ألف ميل صعودًا في نهر النيل" أو "رحلة الألف ميل"، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1876 فأصبح أكثر الكتب مبيعًا في العالم، ثم صدرت طبعته الثانية عام 1888.
بينما كان أصدقاء الرحلة يتنزهون على ضفاف النهر (قبل أن يصلوا إلى مدينة أسيوط بصعيد مصر) رأوا لأول مرة تلك الحشرة الشهيرة، الخنفساء المصرية. وكتبتْ: "لقد كان نموذجًا رائعًا من نوعه، يبلغ طوله حوالي نصف بوصة من الخلف، أسود لامع كجعران منحوت من حجر الجيت (حجر كريم يعرف باسم الكهرمان الأسود)، وكان منهمكًا في إعداد كتلة كبيرة من الطين (الرَّوث)، والتي سرعان ما بدأ يدفعها بصعوبة إلى أعلى الضفة".
وقف أصدقاء الرحلة يرقبون الجُعران أو الخُنفساء، لبعض الوقت، نصف إعجاب ونصف شفقة. كانت كتلة الطين أو الروث أكبر منه بأربع مرات على الأقل، وكان دحرجتُها على ذلك المنحدر الشديد إلى نقطة تتجاوز مستوى فيضان الصيف عملاً شاقًّا بالنسبة لمخلوق صغير كهذا.
ويبدو أن الكاتبة كانت ما بين نصف الشفقة ونصف الإعجاب، حيث كتبتْ: "تمنى المرء أن يلعب دور المُنقذ، ويحملها إلى أعلى الضفة نيابةً عنه؛ لكن ذلك كان سيكون خاتمة تفوق قدرته على التقدير".
ويتضح جليًّا أن الكاتبة – كعالمة مصريات رائدة نجحت في تعلم الهيروغليفية بسرعة عجيبة، فلُقبت بـ"الأم الروحية لعلم المصريات - قرأت الكثير عن قصص الجُعران أو الخُنفساء في مصر القديمة. وكتبت تقول: "كلنا نعرف القصة القديمة عن كيفية وضع هذه الخنفساء بيضها على ضفة النهر؛ وتطويقها بكرة من الطين الرطب؛ ودحرجة الكرة إلى مكان آمن على حافة الصحراء؛ ودفنها في الرمال؛ وعندما يحين أجلُها، تموت راضية، بعد أن ضمنت سلامة خلفائها. ومن هنا جاءت شهرتها الأسطورية؛ ومن هنا جاءت كل الرمزية الغريبة التي التصقتْ بها تدريجيًّا، وانتهت بمنحها قدسية خاصة".
وترى أميليا ب. إدواردز أنه تم الخلط بينها الجُعران وبين العبادة الفعلية.
بالوقوف على شكل هذا المخلوق، ومراقبة حركاته وطاقته التي لا تكل، وقوته العضلية غير العادية، وتفانيه العملي في الأمر المطروح، يرى المرء مدى دقة الدرس الذي قدمه علماء الأخلاق المصريون القدماء للتأمل. وبمزيج رائع من الحكمة والشعر، اعتبروا هذه الخنفساء السوداء الصغيرة ليست فقط رمزًا للقوة الخلاقة والحافظة، ولكن ربما أيضًا رمزًا لخلود الروح. كنموذج، لم يسبق لأي حشرة أن حظيت به، وبمثل هذه العظمة.
توضح الكاتبة الإنجليزية أن تلك الخنفساء أصبحتْ رمزًا هيروغليفيًّا، ورمزت لكلمة تعني كلًا من الوجود والتحوَّل.
وعلى مدى التاريخ المصري القديم تضاعفت صورة هذا الجُعران مليون مرة؛ ونُحتت الخنفساء فوق مداخل المعابد؛ ووُضِعت على أكتاف إله؛ ونُقشت على الأحجار الكريمة؛ وصُنعت في الفخار؛ ورُسمت على التوابيت وجدران المقابر؛ وارتداها الأحياء ودُفنت مع الموتى. وقد وجدت في خزانة مقبرة توت عنخ آمون (التي اكتشفها هوارد كارتر عام 1922) قلادة على شكل جعران مجنح يحمل عين حورس.
وتشير إدواردز إلى أن كل مسافر على النيل يحضر معه حفنة من الجعارين الصغيرة، أصلية كانت أم مقلَّدة. قد لا يهتم البعض باقتنائها على وجه الخصوص؛ ومع ذلك، لا يسعى أحدٌ إلا لشرائها، ولو لمجرد أن الآخرين يفعلون ذلك، أي لمجرد التقليد أو للتخلص من تاجر مزعج شديد الإلحاح على بيع بضاعته، أو لإهدائها للأصدقاء في الوطن (إنجلترا).
وعلى الرغم من ذلك فإن الكاتبة تشك فيما إذا كان حتى أكثر هواة الجعارين حماسةً يشعرون حقًّا بكل قوتها، وبالرمزية المرتبطة بهذه الجواهر الصغيرة، أو يقدرون الطبيعية الرائعة لتنفيذها، حتى يروا الخنفساء الحية وهي تعمل أمام أعينهم.
توضح رائدة علم المصريات أنه في النوبة، حيث لا يتجاوز عرض شريط الأرض الصالحة للزراعة عادةً بضعة أقدام، تكون مهمة الجُعران خفيفة نسبيًّا، ويتكاثر النوع بحريّة. أما في مصر (العليا)، فغالبًا ما يكون للجعران سهلٌ واسع ليجتازه بحمله، ولذلك فهو نادر نسبيًّا مقارنةً بالصعوبة التي يكافح بها من أجل البقاء.
وهي ترجح أن سلالة الجُعران في مصر قد تضاءلت بشكل كبير منذ أيام الفراعنة، وربما ليس ببعيد الوقت الذي سيبحث فيه علماء الطبيعة عبثًا عن عينات (من الجُعران أو الخنفساء) على هذا الجانب من الشلال الأول.
وبحسب تجربتها الشخصية، فإنها لا يسعها إلا أن تقول: "إنني رأيت العشرات من هذه الخنافس خلال الجزء النوبي من الرحلة؛ ولكن على حد علمي، كانت هذه هي المناسبة الوحيدة التي رأيت فيها واحدة في مصر".
ويبدو أن تماثيل الجُعران أو الخُنفساء الصغيرة كانت بمثابة عملة للتداول في مصر القديمة، فقد كانت من بين مجموعة دروفيتي (قنصل فرنسا العام) التي وصلت إلى باريس، وشاهدها شامبليون قبل رحلته إلى مصر (1828 - 1829) مجوهرات مصرية على درجة كبيرة من الفخامة؛ عقود وخواتم وأساور وحلقان من الذهب المرصَّع بالمينا، بخلاف التماثيل وخمسين بردية مصرية إغريقية وخمسمائة جعران (وكانت تستخدم كعملات متداولة) وأواني وثماني لوحات جنائزية وغيرها من القطع الأثرية.
ويبدو أن اسم الخُنفساء كان يطلق – منذ القدم - على الشخصيات غير الودودة أو المكروهة بين بعض الناس، وقد أطلق هذا الاسم أو هذا اللقب على الملكة "تي" والدة أخناتون، احتقارًا لها، وإشارة إلى سواد وجهها وخبثها. رغم أن الخنفساء نفسها قد ارتفعت إلى مرتبة القداسة عند المصريين القدماء، وكانت تستخدم في أعمال السحر. فقد شوهدت إحدى الساحرات في مصر القديمة "توشوش أحد الجعارين الزرقاء التي تمسكها بيدها اليمنى، وفي يدها اليسرى خنفساء سوداء وعقرب ميت، ثم ترقص حول شعلة من النار رقصة مجنونة بعد أن تطعمها الخنفساء والعقرب ورؤوس ثعابين".
ولكن الخنافس بشكل عام منتشرة في أكثر من مكان في العالم، وخاصة في نيوزيلندا حيث توجد خنافس هوهو، وهي حشرات من أكبر أنواع الخنافس، وهي شائعة في جميع أنحاء البلاد، وهي حشرات بنية اللون (وليست سوداء كما كانت في مصر القديمة) يصل طول الواحدة منها إلى 50 ملم، وفي استطاعتها أن تعض من يتعاملون معها، ولكنها عديمة الضرر بشكل عام.
ومن عاش فترة الستينيات في القرن الماضي، من المؤكد أنه سمع عن - وربما استمع إلى – فرقة الخنافس الموسيقية الإنكليزية "البيتلز" التي تعد أشهر فرقة في تاريخ موسيقى الروك. وقد جاء اسم الفرقة تأثراً بفرقة "بادي هولي" (الصراصير The Crickets)، حيث أراد أصحاب الفرقة الجديدة اسمًا لحشرة، أخرى فاختاروا "الخنفساء".
ضمت فرقة الخنافس أربعة من الشباب من مواليد ليفربول وهم: بول ماكارتني، وجورج هاريسون، وجون لينون، ورينجو ستار، وكتب لينون وماكارتني معظم ألحانهم. ونالوا شهرة واسعة منذ عام 1962 ثم شهرة عالمية بعد سنتين، وقد تأثروا في مشوارهم الفني بمغنيي الروك الأميركيين، وخاصة دك بيري وألفيس بريسلي، ثم ظهروا كنجوم في عدد من الأفلام والحفلات الكبيرة، ثم لا يلبث أن انفرط عقدهم في في نهاية الستينيات لأسباب فنية وتجارية وشخصية، وانفضت الفرقة في عام 1970، ولكنها تركت أثرًا لا يمحي في الذاكرة الفنية في العالم.