سبعون عاما من الأثقال التاريخية لجبهة التحرير الجزائرية

الدراسة للدكتور محمد بغداد تعمل على الاقتراب من أقدم حزب سياسي في الجزائر الحديثة، من خلال منهج تفكيكي استقصائي اعتمد على الأسلوب التساؤلي.

بعد مرور سبعين عاما على تأسيس حزب جبهة التحرير الوطني في الجزائر، وعلى الرغم من قلة الكتب والأبحاث العلمية التي تتناول المؤسسة الحزبية الجزائرية، إلا أن بعض المحاولات التي بدأت تظهر مؤخرا تؤكد أن المؤسسة الحزبية الجزائرية تعتبر مادة خاما لم تقترب منها أقلام البحث العلمي الذي يكشف عن معالمها الإيديولوجية وطبيعة خطابها السياسي ومستوى إدارتها للشأن العام، مع إمكانية بروز التيار النقدي الذي يتناول نوعية سلوكاتها وحدود مواقفها وهرمية تركيبتها وشكل قراراتها، ومميزات اتجاهاتها، سواء تعلق الأمر بتلك الأحزاب التقليدية، او التي ظهرت في السنوات الأخيرة. 

ومن الدراسات العلمية التي تتناول فيها الظاهرة الحزبية في الجزائر، تأتي الدراسة الموسومة بـ "إقتحام العقبة- حزب جبهة التحرير الوطني قوانين التاريخ وحواسم المستقبل"، لتعمل على الاقتراب من مسافة قريبة من أقدم حزب سياسي في الجزائر الحديثة، من خلال منهج تفكيكي استقصائي اعتمد على الأسلوب التساؤلي، على اعتبار أن حزب جبهة التحرير الوطني يحمل مضمونين ثقيلين كما يقول الباحث، أولهما المحمول التحرري كونه ولد في رحم الثورة التحريرية وخطاب مواجهة الاستعمار المندرج في نطاق إقليمي ودولي متوسع، وثانيهما مضمون إعادة بناء الدولة، في مفارقات سياقية ممزوجة بموروثات ثقافية تاريخية مهيمنة في اللاوعي الجمعي، في مقابل سطوة النموذج الغربي الزاحف لمفهوم الدولة، عبر قالب الدولة الأمة. 

لقد سبق للدكتور محمد بغداد أن اصدر مجموعة من الدراسات والأبحاث ناوش فيها الظاهرة الحزبية في الجزائر ومن مختلف الاتجاهات الفكرية والمشارب الإيديولوجية، ومن أهم هذه الدراسات كتاب النزعة الانقلابية في الأحزاب الجزائرية، وكتاب ''التركة المسمومة ـ أزمة حركة مجتمع السلم''، وكتاب ''خدام الدولة رؤية سيسو إعلامية''، وغيرها من الدراسات التي حاول فيها الباحث التأسيس لمسار نقدي جديد، يعمل على تفكيك الظاهرة الحزبية فيما بعد الانفتاح الديمقراطي، والعمل على قراءة علمية لخطاب المؤسسة الحزبية، وكذا علاقاتها الإستراتيجية بقضايا وإشكاليات الشأن العام الوطني، زيادة على مقاربة منهجية لفهم سلوكات النخب الحزبية المتعاقبة.  

وقد أكد الدكتور محمد بغداد في دراسته التي اعتبرها أولية، لتناول حزب جبهة التحرير الوطني، بأن المهمة صعبة وثقيلة وتتجاوز الحدود الفردية المتوارثة في الممارسات البحثية العلمية، والأمر يحتاج إلى الانتقال إلى مستوى العمل الجماعي عبر آليات فرق البحث ومخابر الدراسات السياسية والاجتماعية المتخصصة، ولكن الباحث صرح بأن انتظار ظهور تلك المستويات قد يكون العزاء الأكبر لخوض المغامرة العلمية التي أن لم تفي بالغرض، فإنها قد تساعد على الشروع في التأسيس لمشاريع العمل البحثي الجماعي الذي يتناول المجهود السياسي الوطني، خاصة في فترة الدولة الوطنية، التي تحتاج اليوم إلى الاستثمار العلمي في مسيرتها المتجاوزة لنصف قرن، بعيدا عن الميزاجية والانطباعية التي لا تجني منها الأجيال الجديدة سوى المزيد من الضبابية والغموض والتشنج المؤلم حسب قوله. 

حاول الدكتور محمد بغداد في دراسته الجمع بين مجموعة من الحقول المعرفية والمناهج العلمية، في مناوشة حزب جبهة التحرير الوطني، مثل تعاقب النخب، ونوعية الخطاب ومستويات السلوك وقدرات التعامل مع الأزمات وتكاليف الانتقال الزمني بين المراحل المتعاقبة، في مقابل التماهي بين جسد الحزب السياسي، ومؤسسة الدولة، زيادة على التمظهرات الميدانية لحزب جبهة التحرير الوطني، معتبرا أن المرحلة الحالية التي يعرفها السياسي، تعتبر بالنسبة لحزب مثل جبهة التحرير الوطني بمثابة(إقتحام للعقبة)، كونه مقبل على المزيد من التحولات العميقة لا تشمل التجليات الميدانية، ولا التغيرات الهيكلية، إنما تمتد إلى عمق الخطاب السياسي، والبنية الفكرية التي تجعله قادرا على تحمل تكاليف اكراهات المستقبل، خاصة وتلك الاحراجات التي تحملها الموجة الاتصالية الجديدة.