الربيع يرتدي ثوبا من 'النيلة' الزرقاء في شفشاون المغربية

الجميع يشاركون في طقوس 'العواشر' لتتحوّل الأزقة إلى ورش مفتوحة تعكس روح التضامن والانتماء العميق في المدينة.

الرباط ـ في أجواء ربيعية نابضة بالحياة، أعطى رئيس جماعة ''شفشاون''، محمد السفياني، انطلاقة فعاليات تقليد "العواشر" بالمدينة العتيقة، في مبادرة سنوية تهدف إلى إحياء الموروث الثقافي المحلي وتعزيز روح التعاون بين ساكنة الأحياء، وسط حضور لافت وتفاعل واسع من مختلف الفئات.

وانطلقت هذه التظاهرة ضمن برنامج تحرص الجماعة على تنظيمه بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، في إطار الحفاظ على العادات المتوارثة التي تميز المدينة، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى أحد أبرز رموز هويتها الثقافية.

وخلال هذه المناسبة، عرفت أزقة المدينة القديمة حركية استثنائية، حيث انخرط السكان في طقس جماعي يعيد للفضاءات رونقها ويجدد علاقتهم بالمكان.

ويُعدّ تقليد "العواشر" من أبرز الموروثات اللامادية في شفشاون، حيث يتجدد مع حلول فصل الربيع، وتحديدًا بعد التساقطات المطرية التي تمنح المدينة ومحيطها الجبلي حلة طبيعية زاهية. وفي هذه الفترة، تتحول الأزقة والدروب إلى ورش مفتوحة، يشارك فيها الرجال والنساء والشباب، في عملية صباغة جماعية للجدران والأبواب والسلالم باللون الأزرق النيلي، الذي يشكل السمة البصرية الأبرز للمدينة.

وتحمل هذه العملية دلالات عميقة تتعلق بالنقاء والتجدد، حيث تُستخدم مادة "النيلة" إلى جانب الجير لإضفاء لون مميز يعكس خصوصية المدينة، ويعزز صورتها العالمية كـ"الجوهرة الزرقاء". وتُعرف هذه العملية محليًا بـ"التجيير"، وهي تقليد متجذر يعكس ارتباط السكان ببيئتهم وحرصهم على صيانة فضاءاتهم بشكل جماعي.

ويؤكد عدد من سكان المدينة أن العواشر لحظة اجتماعية بامتياز، تعزز روابط الجوار وتعيد إحياء قيم التضامن والتعاون، ففي هذه الأيام، تتقاسم الأسر الأدوات والمواد، ويتعاون الجيران في إنجاز الأعمال، في مشهد يعكس روحا جماعية نادرة، ويُعيد للأذهان أنماط العيش التقليدية التي كانت سائدة في الماضي.

وتتجاوز أجواء العواشر حدود العمل الميداني، لتشمل مظاهر احتفالية وروحية، حيث تنبعث من الزوايا والمساجد أصوات المديح والسماع، وتفوح من البيوت روائح الحلويات التقليدية والمأكولات الجبلية التي تُعد خصيصًا لهذه المناسبة. كما تشهد المدينة تبادل الزيارات بين الأسر، في أجواء يغلب عليها الود والسكينة.

وفي موازاة ذلك، ساهمت هذه المبادرة في تنشيط الحركة السياحية بشكل لافت، حيث توافد عدد كبير من الزوار المغاربة والأجانب لاكتشاف هذا التقليد الفريد، خاصة مع تزامنه مع عطلة "سيمانا سانتا" الإسبانية، التي تشهد عادة تدفقًا سياحيًا نحو شمال المغرب. وقد تحولت أزقة شفشاون خلال هذه الفترة إلى فضاء مفتوح لعشاق التصوير والفنون، الذين يجدون في تناغم اللون الأزرق مع الطبيعة الجبلية مشاهد استثنائية.

ويُجمع الفاعلون المحليون على أن العواشر تسهم بشكل مباشر في تنشيط الدورة الاقتصادية بالمدينة، حيث تستفيد قطاعات متعددة من هذه الحركية، من بينها الحرف التقليدية، والإيواء السياحي، والمطاعم، فضلًا عن التجارة المحلية. ويُعد هذا التفاعل بين التراث والتنمية أحد أبرز رهانات المدينة في السنوات الأخيرة.

ومن الناحية التاريخية، يرتبط اللون الأزرق الذي يميز شفشاون بعدة روايات، أبرزها تلك التي تعود إلى اللاجئين الأندلسيين واليهود الذين استقروا بالمدينة، حيث اعتبروا اللون رمزًا للسكينة والروحانية. كما يُعتقد أن لهذا اللون وظائف عملية، إذ يساعد على عكس أشعة الشمس وتلطيف حرارة الجو، فضلًا عن دوره في إبعاد الحشرات، ما يجعله خيارًا جماليًا ووظيفيًا في آن واحد.

وتحمل المدينة في طياتها تاريخًا عريقًا، إذ تأسست سنة 1471 على يد الشريف علي بن راشد، لتكون حصنًا في مواجهة التوسع البرتغالي، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مركز حضاري استقبل موجات من اللاجئين الأندلسيين الذين أثروا نسيجها الثقافي والعمراني. وقد حافظت شفشاون على طابعها الأندلسي المميز، الذي يتجلى في هندسة أزقتها الضيقة وبيوتها المتلاصقة.

ومع مرور الزمن، أصبحت المدينة واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المغرب، حيث تحظى بحضور قوي في وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، بفضل جاذبيتها البصرية وخصوصيتها الثقافية. وقد ساهمت هذه الشهرة في استقطاب زوار من مختلف أنحاء العالم، ما جعلها نموذجًا ناجحًا في توظيف التراث لخدمة التنمية.

وتندرج مبادرة العواشر ضمن رؤية أوسع تهدف إلى الحفاظ على الموروث الثقافي غير المادي، وربطه بمسارات التنمية المستدامة، من خلال إشراك المجتمع المحلي في صون تراثه وتثمينه. كما تسعى الجهات المعنية إلى توثيق هذه الممارسات وتعزيز حضورها ضمن العرض السياحي، بما يضمن استمراريتها ونقلها إلى الأجيال القادمة.

وفي ظل هذه الدينامية، تواصل شفشاون ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية وثقافية متميزة، تجمع بين جمال الطبيعة وعمق التاريخ وغنى التقاليد. ومع كل ربيع، تتجدد حكاية العواشر، لتؤكد أن هذه المدينة لا تكتفي بالحفاظ على ماضيها، بل تعيد صياغته في حاضر نابض بالحياة، يفتح أبوابه للعالم دون أن يفقد روحه الأصيلة.