السينما العربية تعبر بثقة نحو مهرجان 'كان'

مشاركة تعكس تحولا نوعيا نحو سينما أكثر استقلالا وجرأة وقدرة على المنافسة الدولية الواسعة.

باريس ـ  في مايو/أيار من كل عام، تتحول مدينة كان الفرنسية إلى عاصمة غير رسمية للسينما العالمية، حيث تلتقي الرؤى والأساليب والثقافات على سجادة حمراء واحدة.

وفي دورته التاسعة والسبعين، المقررة من الثاني عشر إلى الثالث والعشرين من مايو/أيار 2026، يعود المهرجان بدورة وُصفت منذ الإعلان عن قوائمها بالاستثنائية في عدد الأفلام المتنافسة ونوعية الأصوات التي اختار المهرجان الإنصات إليها هذا العام.

ومن بين 2541 فيلماً تقدمت من 141 دولة، وبعد ستة أشهر من المشاهدة الدقيقة التي وصفها المندوب العام تييري فريمو بأنها "تحدٍّ حقيقي"، خرجت القائمة النهائية لتقول بوضوح: السينما العربية لم تعد تطرق الباب، بل باتت تجلس على الطاولة.

ولا تُقاس مشاركة السينما العربية في كان 2026 بالكم، فالأرقام ليست الحكاية كلها. وما يلفت النظر هذا العام هو نوعية الحضور وتوزّعه عبر أقسام مختلفة، حتى أصبح  المهرجان يستقبلها عبر بوابات متعددة تعكس تنوع التجارب وتباين الأساليب.

ويصف المتابعون هذا الحضور أنه  يعبّر عن استمرارية لا عن استثناء، وعن مسار تراكمي ببطء يبني ثقته على الجودة لا على الصخب.

وفي قسم 'نظرة ما'، الذي يضم خمسة عشر فيلما مختارا من تجارب سينمائية عالمية متنوعة، يقف الفيلم اللبناني الفلسطيني 'البارحة العين ما نامت' للمخرج ركان مياسي بوصفه أحد أكثر الأعمال إثارة للفضول في هذه الدورة.

ويأخذ الفيلم المشاعد إلى وادي البقاع في أجواء مشحونة بالضباب والقلق، حيث يشكّل حادث غامض نقطة تحوّل تقلب استقرار مجتمع محلي بدا متماسكاً على السطح.

ومع تصاعد التوتر، تبدأ طبقات خفية تتكشّف: أسرار دفينة، وأحقاد تمتد جذورها إلى الماضي، وعلاقات تحكمها التقاليد بيد من حديد.

وما يمنح الفيلم ثقله الحقيقي هو اشتغاله على مصائر النساء في بيئة قاسية، تلك البيئة التي تُفرض فيها القواعد أكثر مما تُناقَش، ويصبح الصمت فيها جزءاً من آلية البقاء لا ضعفاً. شارك مياسي في كتابة السيناريو مع وحيد عجمي، وتولّى الإنتاج بالشراكة مع جينيفر ريتر.

ويعكس اختيار المهرجان لهذا العمل توجهاً واضحا نحو الأفلام التي تشتغل على الهامش الاجتماعي والنفسي، وتبني توترها من الداخل لا من المشهد الخارجي؛ سينما تؤمن بأن ما لا يُقال أكثر إيلاماً مما يُصرَّح به.

من شمال أفريقيا، يسجّل المغرب حضوره في القسم ذاته بفيلم 'La Más Dulce' للمخرجة ليلى مراكشي، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وإسبانيا يُجسّد نموذجاً للتعاون الإبداعي العابر للبحار.

يقود الفيلم طاقم فني تتصدره الممثلة نسرين الراضي، التي تعود إلى كان بعد تجارب سابقة أثبتت تميّزها في السينما المغربية، ولا سيما أعمالها مع المخرج نبيل عيوش.

ويقوم الفيلم على طرح إنساني ذي طابع عاطفي، يتأمل في العلاقات والتقاطعات الثقافية بين ضفّتي المتوسط، مقدماً حكاية محلية بروح كونية، ومؤكداً أن السينما المغربية قادرة على صياغة سرديات هادئة وعميقة تجد طريقها بثقة إلى المنصات الدولية الكبرى.

يمتد الحضور العربي هذا العام خارج دائرة "نظرة ما"، إذ تنتقل الكاميرا العربية إلى فئة 'نصف شهر المخرجين' عبر الفيلم الوثائقي القصير "In Search of the Green Striped Bird" للمخرج المغربي الفرنسي سعيد حميش.

ويقدّم العمل تجربة بصرية متفردة، تتنقّل بين الشواطئ والأشكال المتحولة والروايات المفتوحة في مسار يقوم على الحركة الدائمة بين الجغرافيا والذاكرة.

ولا تُحكى الحكاية هنا بخطٍّ مستقيم، بل تتشكّل عبر صور وإيحاءات تمنح المشاهد مساحة واسعة للتأويل، في تجربة أقرب إلى السرد الشعري منها إلى الوثائقي التقليدي.

باختيار هذا الفيلم، تؤكد فئة "نصف شهر المخرجين" اهتمامها بالأعمال التي تجرّب خارج الأشكال المألوفة، وتمنح السينما الوثائقية حرية الاشتغال كما لو كانت قصيدة لا تقريراً. وبذلك يضيف حميش إلى الحضور العربي في كان بُعداً جديداً يقوم على الرؤية والأسلوب، لا على الموضوع وحده.

لا يقتصر الحضور العربي في كان على الأفلام المختارة، بل يمتد إلى السجادة الحمراء وما تحملهُ من دلالات، فقد باتت وجوه من مصر ولبنان والمغرب والسعودية جزءا متكررا من مشهد المهرجان، لا ظهوراً عابراً بل حضورا يعكس شراكات فنية حقيقية ومشاركة فعلية في حراك الصناعة.

وتجاوز هذا الحضور منذ سنوات البعدَ الاحتفالي أو الترويجي؛ فالنجوم العرب الذين يصلون إلى كان اليوم يحملون معهم أعمالا تُعرض، وأسئلة تُطرح في ندوات، وشراكات تُبنى في لقاءات هامش المهرجان التي لا تقل أهمية عن العروض الرسمية.

ومن المتوقع أن تواصل نسخة 2026 هذا الزخم، مع حضور عربي متجدد يؤكد أن الوجود أصبح جزءا من صورة المهرجان لا إضافة إليها.

ما يجعل 'كان' أكثر من مجرد احتفال بالأفلام هو دوره الصناعي العميق، فالمهرجان فضاء حيوي للتوزيع والتمويل وبناء الشراكات الدولية، يفتح قنوات مباشرة بين صنّاع الأفلام والمنتجين والموزعين والمؤسسات الداعمة في وقت واحد.

وبالنسبة للسينما العربية، يمثّل 'كان' بوابة لا غنى عنها للانفتاح على السوق العالمي، سواء عبر فرص الإنتاج المشترك، أو الوصول إلى جمهور أوسع، أو تحقيق حضور نقدي يُسهم في تشكيل صورة السينما العربية دولياً.

ويعزّز هذا الدور ما تقدمه مبادرات كمركز السينما العربية من دعم للمشاريع وربطها بشبكات صناعة القرار السينمائي على المستوى الدولي.

في المحصلة، يقرأ المتابع لمشاركة السينما العربية في 'كان '2026  مشهدا يقول الشيء الجوهري بهدوء: هذه السينما لم تعد على هامش المشهد، بل باتت جزءاً من نسيجه. ليس بالكثرة، ولا بالضجيج، بل بذلك الإصرار الهادئ على تقديم قصص إنسانية بعمق ووعي واختلاف، وهو ما يبقى في الذاكرة طويلا بعد أن تُطوى السجادة الحمراء وتُغلق قاعات العرض.