كان السينمائي يحيّي تمرّد 'ثيلما ولويز'
اعتاد مهرجان كان السينمائي الفرنسي العريق، الذي يُعقد في شهر مايو/أيار من كل عام، أن يفاجئ جمهوره بالملصق الدعائي الخاص به في كل دورة من دوراته.
ففي العام الماضي، في دورته الثامنة والسبعين، اختار لقطة العناق الشهيرة بين "أنوك إيمي" و"جان لوي ترينتينيان" من فيلم "رجل وامرأة" للمخرج الفرنسي كلود لولوش، الحائز على السعفة الذهبية عام 1966 وأوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1967، كتحية منه لهذا المخرج وفيلمه العابر للأجيال، والذي بيعت ملايين الأسطوانات من موسيقاه التصويرية سنة صدوره.
أما هذا العام، فقد اختار لقطة من فيلم "ثيلما ولويز" للمخرج الإنكليزي الكبير السير ريدلي سكوت (1937) شعاراً لملصقه في دورته التاسعة والسبعين التي يترأسها المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك.
هذا الفيلم الذي لاقى صدىً نقدياً وجماهيرياً كبيراً سنة عرضه عام 1991، حيث ترشّح لستّ جوائز أوسكار، اثنتان منها عن التمثيل لبطلتيه سوزان ساراندون وجينا ديفيس، وحصل على أوسكار أفضل سيناريو ذهبت لكاتبته كالي خوري التي قالت عنه: "فكرة النص السينمائي: امرأتان تٌغمسان في القتل". حيث تظهر في الصورة التي التقطها رولان نوف، ثيلما ولويز وهما تجلسان داخل سيارة لويز "الفورد ثاندربرد" وتديران ظهرهما، حيث تجلس لويز خلف المقود وثيلما بجانبها، تنظران إلى الكاميرا نظرات هادئة تأملية لامبالية. وقد بدت عليهما إنهاكات وأوساخ الطريق الطويل الذي قطعتاه.
امرأتان متمردتان
يروي الفيلم قصة لويز (سوزان ساراندون) التي تعمل نادلة في مطعم، وتربطها علاقة غرامية بـ"جيم" الموسيقي الفاشل الذي يعمل في أحد الملاهي الليلية ولا يبالي بمصير علاقته معها، الأمر الذي يجعلها ممتعضة منه، فتقرر أن تقضي عطلة نهاية الأسبوع مع صديقتها (ثيلما)، الشابة المتزوجة برجل أعمال متكبر يدعى (داريل)، لا يعيرها أي اهتمام؛ مما يسبب لها فراغاً عاطفياً لا يعوضه الثراء والرفاهية التي تعيش فيها. فتوضب أغراضها وتنطلق مع صديقتها لويز من أركنساس إلى التلال لقضاء العطلة، في هذه الرحلة التي ستغير مصيرهما إلى الأبد، فنكون أمام فيلم من "أفلام الطريق" المليء بالمغامرات والأحداث التي تؤزم الشخصيتين الرئيسيتين وتوقعهما في مآزق كبيرة؛ فتتحولان من سائحتين إلى مطلوبتين للعدالة. تبدأ هذه الأحداث حين يقوم صاحب "البار" الذي تتوقفان عنده لتناول الشراب بمحاولة اغتصاب ثيلما، مما يدفع لويز لإطلاق النار عليه وإصابة صدره فترديه قتيلاً، وتصبحان مطاردتين وعودتهما إلى منزليهما أصبحت مستحيلة، فتقرران الهرب إلى المكسيك. وتصادف ثيلما في طريقها شاباً لطيفاً جذاباً هو "جي دي" (براد بيت)، فتقيم معه علاقة جنسية عابرة، ثم تغادران في اليوم التالي، لكن المتاعب ما زالت تلاحقهما، فيصادفان شرطياً متكبراً فيهتددانه بالسلاح وتحشره لويز في صندوق السيارة، وبعدها يحرقان شاحنة لسائق دنيء. وبعد كل هذه الأحداث المفاجئة تقول ثيلما للويز: "لا أذكر أنني شعرت بهذه الصحوة من قبل". في هذه الأثناء يكون المفتش سلوكوم والمباحث الفيدرالية يلاحقونهما، لتصل المرأتان إلى نهايتهما المحتومة عند طرف الأخدود حيث تحاصرهما سيارات الشرطة ومروحياتها في نهاية كانت متوقعة.
جندرية نسائية
في فيلم "ثيلما ولويز" كنا أمام صحوة نسوية منحت النساء فرصة للتمرد، واعتقد الكثير من النقاد بعد هذا الفيلم أن هوليوود ستتبدل وستحدث مساواة جندرية بعد هذه القصة العنيفة التي قدمها الفيلم، التي لم تصل إلى التطرف النسائي البحت، وإنما عن التمد رغم تغير نظرة المجتمع الأميركي لهما وتقديمها على الذكورية التي اعتادت السينما في هوليوود تقديمها.
إخراج متقن
صور ريدلي سكوت فيلمه بلقطات قريبة لوجهي البطلتين تظهر انفعالاتهما ومشاعرها، ولقطات عامة للجبال والوديان تظهر مهابة المكان في الطريق الذي سلكتاه، فكنا أمام فيلم من أفلام الطريق و"النوار" سيخلده التاريخ ولن يُنسى بسهولة، وستتناوله الكثير من الدراسات النقدية، ولن تبقى السينما في هوليوود بعده كما كانت قبله؛ فقد غير النظرة للمرأة كلياً وأظهر أنها قوية حين تنوي ذلك. لذلك يكرمه مهرجان "كان" السينمائي باتخاذ لقطة منه شعاراً لملصقه كتحية للمعلم الكبير ريدلي سكوت صاحب (أليان - 1979) و(بليد رانر - 1982) و(المصارع - 2000) و(مملكة السماء - 2005).