'نجوم النهار'.. حين عرّى أسامة محمد بيئته سينمائيا متحديا سلطة 'الأسد الأب'
المجتمع البطريركي وسلطة الرجل الشرقي على الأنثى هما الثيمتان الأساسيتان اللتان بنيت عليهما قصة فيلم "نجوم النهار" (1988) من تأليف وإخراج أسامة محمد (مواليد اللاذقية عام 1954)، وهو الفيلم الذي استفز الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد مشاهدته له، فمنعه من العرض الجماهيري في صالات السينما السورية حينها.
ورغم عرض الفيلم في معظم المهرجانات الدولية كمهرجان "كان" السينمائي العريق ومهرجان دمشق السينمائي نفسه، ورغم الحفاوة النقدية التي حظي بها وقتها، ومع أن موضوع الفيلم كان المرجعية التي انطلقت منها لاحقاً ثيمة معظم أفلام المخرج السوري الراحل عبد اللطيف عبد الحميد -الذي أدى دور البطولة فيه وكان مخرجاً مساعداً لمحمد- وهو بيئة ريف الساحل السوري ولهجته، والدليل أن فيلم عبد الحميد الروائي الطويل الأول (ليالي ابن آوى) الذي أنتج بعده بعام سمح بعرضه جماهيرياً، ولاقى عبد الحميد دعم سلطة نظام الأسد متمثلة في المؤسسة العامة للسينما وبقي كذلك حتى نهاية حياته، عكس المخرج الموهوب أسامة محمد الذي كان من المغضوب عليهم من السلطة الحاكمة بسبب فيلمه الكبير هذا، وزاد هذا الغضب بعد تأييده لثورة الشعب السوري عام 2011 ومغادرته البلاد لاحقاً والاستقرار في فرنسا.
الفتاة المستضعفة
يروي فيلم "نجوم النهار" قصة سناء (صباح السالم) التي يريد أهلها تزويجها من ابن عمها الدكتور كريم الذي يقيم في ألمانيا وعاد إلى البلاد ليتزوج فتاة من قريته، ورغم حبه لامرأة ألمانية فلم يجد أنسب من ابنة عمه الجميلة سناء لتكون زوجة له، الأمر الذي تجد فيه عائلتها تشريفاً كبيراً، وخصوصاً أن أخاها الأكبر خليل (عبد اللطيف عبد الحميد) يحب المال كثيراً فيعتبر صهره الجديد بمثابة الدجاجة التي ستبيض له ذهباً ويستطيع بفضله تحقيق حلمه وشراء "ميكرو باص" وهو الموظف الفقير في شركة الهاتف، لكن هذا الزواج لن يتم ولن تجري رياح خليل كما تشتهي سفنه؛ لأن ليلة العرس -الذي حضره كل أهل القرية وحتى الفنان فؤاد غازي نفسه نجم تلك المرحلة السورية والذي يكون في الفيلم أحد أقرباء العائلة- وبسبب ابنة عم سناء وأخت كريم "العروس الأخرى" التي أرادوا تزويجها لأخ سناء الصغير كاسر (زهير عبد الكريم) الشاب البسيط الساذج ضعيف السمع، فتقوم أثناء حفل الزفاف بالهروب مع سائق البوسطة الذي تحبه.
تتخذ سناء موقفاً من هذا الحدث وتصطف إلى جانب أخيها كاسر وتقرر أنها هي أيضاً لا تريد الزواج من كريم ابن عمها فيتحول العرس إلى مهزلة، ورغم وساطات أفراد العائلة ومحاولتهم المستميتة لإقناعها بهذا الزواج، تتشبث سناء بموقفها كرامة لأخيها كاسر، فيضطر كريم للعودة إلى ألمانيا وإكمال حياته مع المرأة التي يحبها، وتنتقل سناء إلى اللاذقية للعيش في بيت أخيها خليل، وهنا يبدأ مشوارها الحقيقي فتحب شاباً يعمل معها في شركة التبغ، إلا أن أخاها المتسلط يرفضه لأنه فقير مادياً ويدفع بأخيه كاسر لضربه، ويتم تزويجها في النهاية من ابن عمها ضابط المخابرات الذي يقيم في دمشق والذي يغتصبها في أحد الحقول قبل الزواج، وليس هذا الاغتصاب الجسدي سوى اغتصاب لحياتها البريئة التي سلبت منها عنوة.
الأخ الأكبر
أدى المخرج عبد اللطيف عبد الحميد دور خليل الأخ الأكبر المتسلط الجشع الذي يمارس سلطته على إخوته الصغار بلا رحمة بإتقان كبير -فلو استمر عبد الحميد ممثلاً ولم يتفرغ للإخراج فقط لكان لدينا كوميديان كبير كروبن وليامز لكن بنسخة سورية- فكان يستغل إخوته سناء وكاسر مادياً ويقوم بتخليصهم المال الذي يكسبونه.
تجلى هذا الاستغلال في مشهد وداع ابن عمه كريم في مرفإ اللاذقية، الذي قرر العودة إلى ألمانيا بعد صدمته التي تلقاها ليلة عرسه. حيث يقوم كريم بإعطاء مبلغ من الليرات السورية المتبقية معه لابن عمه كاسر كي يحتفظ به، فيقوم خليل بعد مغادرة كريم بالاعتداء على أخيه بالضرب وافتكاك المال منه عنوة، وفعل الأمر نفسه مع أخته سناء التي أمّن لها عملاً في مصنع التبغ باللاذقية، فكان يسألها عندما يأتي لأخذها ظهراً إلى المنزل بعد انتهاء الدوام: "كم أعطوك اليوم؟" ويفتك نقودها أيضا. كما أن زوجته المتسلطة (مها الصالح) كانت تزعجها كثيراً وتفتري عليها وتدعي أنها تضايقها فيقوم خليل الزوج المطيع بضربها إكراما لزوجته التي لا يستطيع أن يرفض لها طلباً.
ويذكرنا ما حدث مع سناء أثناء إقامتها في منزل أخيها خليل بقصة الفيلم الفنلندي ''فتاة مصنع الكبريت'' للمخرج الكبير آكي كوريسماكي مع اختلاف الظروف وتشابه الاضطهاد للفتاة المسكينة من قبل ذويها.
لغة بصرية عالية
قدّم المخرج أسامة محمد فيلمه هذا بلغة بصرية شاعرية بديعة مستخدماً اللقطات العامة والتكوينات الجميلة في الكادر (mise en scène) مظهراً جمال الطبيعة في ريف الساحل السوري بكاميرا متأملة لتفاصيل المنازل الريفية العتيقة التي أضفت جمالية خاصة على الفيلم، فافتتح فيلمه بمشهد سريالي بلقطة عامة متوسطة لطفل عارٍ ينزل من فتحة السقف يحمل دجاجتين بيديه واختتمه بخروج الطفل من نفس الفتحة، كما استطاع إدارة الممثلين بحرفية عالية فأدى كل ممثل دوره ببراعة، فاستطاع الممثلون إيصال حالة الشخصية وانفعالاتها باحترافية لنكون أمام فيلم جميل بسيناريو محكم وإخراج محترف قدم البيئة التي تحدث عنها بواقعية كبيرة وذكية.
تشريح بيئة خاصة
كان "نجوم النهار" أول فيلم روائي طويل يتطرق لبيئة ريف الساحل السوري التي ينحدر منها مخرجه ورئيس البلاد حينها حافظ الأسد، فشرح محمد هذه البيئة مسلطاً الضوء على عاداتها وتقاليدها لأول مرة في الفن السوري، مقدماً تحليلاً سيكولوجياً للشخصيات التي تنتمي إليها مبيناً دوافعها وتاريخها وكيف أهملها نظام الأسد وأفقرها وسخرها لخدمته، لذلك كان المستقبل مغلقاً أمام أبنائها فلا سبيل لهم للخلاص من فقرهم سوى التطوع في الجيش أو العمل كموظفين في مؤسسات الدولة كي يشعروا بالأمان المادي، وكانت هذه أكبر أحلامهم على الرغم من اهتمام قسم كبير منهم بالعلم والثقافة.
كان هذا الفيلم أول وثيقة بصرية روائية تفكك هذه البيئة للجمهور السوري على الرغم من إنجاز مخرجه فيلماً وثائقياً قبله اسمه ''خطوة خطوة'' (1978) يوجه فيه نقداً لاذعاً لنظام الأسد وأيديولوجيته وتدجينه العقائدي لتلك البيئة لإظهار كل معارض للنظام أو الدولة -كما يسمونها- أنه خائن، فكان محمد من أوائل السينمائيين السوريين الذين عارضوا نظام الأسد هو والمخرج الراحل عمر أميرالاي صاحب فيلم "طوفان في بلاد البعث". وخلال فترة الثورة السورية أنجز محمد عام 2014 فيلم "ماء الفضة" (بورتريه شخصي لسوريا) عن تلك الثورة، وذلك من فيديوهات حقيقية صورها ناشطون، مظهراً وحشية النظام في قمع المظاهرات وقسم المدن، وعرض في مهرجان كان، ومن أفلامه أيضاً فيلم ''صندوق الدنيا'' (2002) الذي عرض بمظاهرة "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي أيضاً، وفيلم ''اليوم وكل يوم'' وهو فيلم وثائقي عن مدينة اللاذقية، ويعتبر محمد من أبرز المخرجين السينمائيين السوريين الموهوبين الذين لم يأخذوا حقهم من الشهرة كغيرهم.