الشرع في بريطانيا لتعزيز التعاون الاقتصادي

الرئيس السوري سيبحث مع المسؤولين البريطانيين آفاق التعاون الثنائي وفرص الاستثمار وجهود إعادة الاعمار في خضم جهود دمشق لإعادة تموضعها دولياً وإقليميا واستقطاب دعم سياسي واقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب.
سوريا تسعى لتعزيز العلاقات مع الدول الأوروبية ذات الثقل الاقتصادي

لندن - يبحث الرئيس السوري أحمد الشرع في العاصمة البريطانية لندن التي وصلها في زيارة رسمية العديد من الملفات الاقتصادية والسياسية، ضمن مساعٍ متسارعة لكسر العزلة والانفتاح مجدداً على العواصم الأوروبية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات حيث كان في استقبال الرئيس السوري رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

وهذه هي المرة الاولى التي يزور فيها الشرع عواصم أوروبية منذ توليه السلطة بعد اطاحة قوى سورية مسلحة تتقدمها هيئة تحرير الشام بقيادة الشرع، بالرئيس السوري السابق بشار الأسد.

وبحسب ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية بالتزامن مع وصول لشرع، فإن الزيارة تتم بمرافقة وفد حكومي رفيع، حيث من المنتظر عقد لقاءات مع مسؤولين بريطانيين لبحث آفاق التعاون الثنائي وتوسيع مجالات التنسيق، في وقت تعمل فيه دمشق على إعادة تموضعها دولياً واستقطاب دعم سياسي واقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب.
وتندرج محطة لندن ضمن جولة أوروبية للرئيس السوري تهدف إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع دول القارة، إذ سبقتها زيارة إلى برلين أجرى خلالها سلسلة اجتماعات مع مسؤولين ألمان، تمحورت حول سبل إعادة تفعيل العلاقات السياسية وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين.
وتشير هذه التحركات إلى توجه متنامٍ لدى القيادة السورية الجديدة نحو توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، لا سيما مع الدول الأوروبية ذات الثقل الاقتصادي، والتي يُعوَّل عليها في دعم مشاريع إعادة الإعمار والتنمية في منطقة لا تزال تشهد الكثير من الأزمات.
وخلال وجوده في ألمانيا، شارك الشرع في لقاء اقتصادي موسّع جمع ممثلين عن شركات ألمانية كبرى، بحضور عدد من أعضاء حكومته، من بينهم وزراء الخارجية والاقتصاد والطاقة والطوارئ، حيث تم بحث فرص الاستثمار في السوق السورية.
وتناولت النقاشات مشاريع محتملة في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والتمويل والأمن الرقمي والبناء والخدمات الصحية والنقل، وهي مجالات أساسية لإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد السوري.
كما تمخضت الاجتماعات عن توقيع عدة مذكرات تفاهم، اعتُبرت خطوة أولية نحو بناء شراكات اقتصادية قد تتوسع مستقبلاً، في إطار جهود دمشق لجذب الاستثمارات الخارجية ونقل الخبرات الفنية.
وفي سياق متصل، شملت نتائج زيارة برلين توقيع اتفاقية تعاون في مجال النقل الجوي بين سوريا وألمانيا، وهو تطور يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، إذ يُتوقع أن يسهم في تنشيط حركة السفر والتبادل التجاري وفتح المجال أمام الشركات الأجنبية لدخول السوق السورية.
ويأتي هذا الانفتاح بعد خطوة لافتة اتخذتها برلين بإعادة افتتاح سفارتها في دمشق في مارس/اذار الماضي، عقب إغلاق دام أكثر من عقد، ما عُدّ مؤشراً على تغير تدريجي في الموقف الأوروبي تجاه سوريا بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
وعلى صعيد العلاقات مع المملكة المتحدة، شهدت هي الأخرى تحسناً تدريجياً خلال الفترة الماضية، حيث شكلت زيارة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى دمشق في يوليو/تموز 2025 نقطة تحول مهمة، كونها أول زيارة لمسؤول بريطاني رفيع منذ سنوات.
وتبع ذلك إعادة افتتاح السفارة السورية في لندن في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، خلال زيارة رسمية لوزير الخارجية أسعد الشيباني، في خطوة عكست رغبة متبادلة في استئناف العلاقات الدبلوماسية.
وتعكس هذه المؤشرات بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تقوم على إعادة بناء الثقة واستكشاف فرص التعاون، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية.
ومن المنتظر أن تتناول مباحثات الشرع في لندن ملفات متعددة، تشمل إعادة الإعمار والطاقة والاستثمار، إلى جانب التعليم والتكنولوجيا والخدمات.
وتراهن الحكومة السورية على هذا الحراك الدبلوماسي لتحسين الأوضاع الاقتصادية الداخلية، التي تضررت بشدة جراء سنوات الحرب الممتدة منذ 2011 وحتى 2024، والتي خلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية وأثرت سلباً على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفي ظل هذه التحديات، تتبنى دمشق نهجاً قائماً على توسيع علاقاتها الدولية وإبرام شراكات مع دول وشركات كبرى، بهدف إعادة تنشيط الاقتصاد تدريجياً.
وتمثل دول الاتحاد الاوروبي وجهة رئيسية في هذا التوجه، نظراً لما تمتلكه من إمكانيات مالية وتكنولوجية وخبرات قادرة على دعم مشاريع كبرى في مجالات حيوية.
ويعتقد أن الجولة الأوروبية للرئيس السوري تحمل رسائل متعددة، إذ تعكس من جهة سعي دمشق للعودة إلى الساحة الدولية، ومن جهة أخرى تشير إلى اهتمام أوروبي متزايد بالانخراط في المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد.
كما أن الاتفاقيات التي تم توقيعها في برلين، إلى جانب اللقاءات المرتقبة في لندن، قد تمهد لمسار تعاون أوسع خلال السنوات المقبلة.
ورغم تعقيد التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار، فإن التحركات الحالية توحي بمحاولة سورية لفتح صفحة جديدة مع أوروبا، قائمة على الشراكة الاقتصادية والانفتاح السياسي، بهدف استعادة موقعها تدريجياً على الساحة الدولية.