العراق بين إيران والولايات المتحدة: توازن على حافة الانفجار
يبدو موقف العراق من الصراع في الشرق الأوسط وكأنه يسير على حافة توازن دقيق، ليس بدافع الحياد الأخلاقي بقدر ما هو نتاج ضرورات جيوسياسية معقّدة. فالعراق، بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته السياسية، لا يملك رفاهية الانحياز الصريح، لأن أي ميل حاد نحو محور إقليمي معين قد يعيد إنتاج أزمات داخلية لم تندمل بعد منذ مرحلة ما بعد 2003.
العراق اليوم يتحرك ضمن معادلة ثلاثية: علاقته مع إيران، وشراكته الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة، وانفتاحه الحذر على العمق العربي، خاصة مع السعودية ودول الخليج. هذه المعادلة تجعل من بغداد ساحة تقاطع مصالح أكثر من كونها لاعباً حراً بالكامل. ولذلك، فإن خطابه الرسمي غالباً ما يتبنى لغة "خفض التصعيد" و"عدم الانجرار إلى الصراعات".
من الناحية الأمنية، يخشى العراق من تحوّل أراضيه إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران، كما حدث في أعقاب اغتيال قاسم سليماني، وهو حدث شكّل لحظة مفصلية في إدراك بغداد لمخاطر الانخراط غير المباشر في الصراعات الإقليمية. ومن هنا، تتجه الدولة إلى محاولة ضبط الفصائل المسلحة وإعادة تعريف دورها، لكن هذا المسار ما زال هشاً ويخضع لتوازنات داخلية معقدة.
اقتصادياً، يعتمد العراق بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة، وأي تصعيد في المنطقة - خصوصاً في الخليج أو مضيق هرمز- قد ينعكس فوراً على صادراته النفطية، التي تشكل العمود الفقري لاقتصاده. لذا فإن مصلحته المباشرة تكمن في بقاء خطوط الإمداد مفتوحة واستقرار الأسعار ضمن نطاق يمكن التنبؤ به.
سياسياً، يحاول العراق لعب دور الوسيط الإقليمي، كما ظهر في استضافة محادثات بين إيران والسعودية في بغداد خلال السنوات الماضية. هذا الدور يمنحه هامشاً دبلوماسياً مهماً، لكنه يظل محدوداً بسبب ضعف أدوات الضغط العراقية مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى.
أما داخلياً، فإن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار - بين الحكومة والفصائل والقوى الحزبية - يجعل من صياغة موقف خارجي موحد أمراً بالغ الصعوبة. وهذا يفسر أحياناً التباين بين الخطاب الرسمي وبعض المواقف الميدانية.
في المحصلة، يمكن القول إن العراق يتبنى "استراتيجية البقاء" أكثر من "استراتيجية التأثير". فهو يسعى إلى تجنب الانفجار الداخلي، والحفاظ على توازن علاقاته الخارجية، دون أن يمتلك حتى الآن القدرة الكاملة على فرض نفسه كقوة إقليمية مستقلة.