العود يعبر إلى أوروبا من بوابة السويد
ستوكهولم ـ تستعد مدينة مالمو السويدية لاحتضان الدورة الثانية من مهرجان مالمو الدولي للعود والأغنية العربية، يومَي 25 و26 سبتمبر/أيلول 2026، في حدثٍ ثقافي وفني يسعى إلى ترسيخ حضور الموسيقى العربية داخل المشهد الثقافي الأوروبي، وتعزيز الحوار الفني بين الشرق والغرب عبر لغة الموسيقى.
لا يُقدّم مهرجان مالمو نفسه بوصفه فعاليةً غنائية عابرة، بل مشروعاً ثقافياً يحمل رؤيةً واضحة لإعادة تقديم الموسيقى العربية بصفتها فناً حياً قادراً على الحوار والتجدد والتأثير عالمياً.
ويؤكد مدير المهرجان يوسف البدر أن الدورة الجديدة تأتي برؤية موسّعة تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي بين أوروبا والعالم العربي، وفتح مساحات جديدة أمام الفنانين الشباب، بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الموسيقي العالمي.
ويمنح هذا التوجه المهرجانَ بُعداً يتجاوز المنافسة الفنية التقليدية، ليصبح منصةً تسعى إلى تعريف الجمهور الأوروبي بثراء الموسيقى العربية وتنوّع مدارسها، بعيداً عن الصور النمطية السائدة.
ويستمد المهرجان جانباً كبيراً من ثقله الفني من لجنة التحكيم التي تضم أسماءً بارزة في عالم الموسيقى العربية، من بينهم شربل روحانا وخالد محمد علي ومحمد بيتماز، إضافةً إلى المؤلف الموسيقي السوري طاهر مامللي الذي انضم إلى لجنة تحكيم الغناء في هذه الدورة.
ويُعدّ مامللي أحد أبرز الأسماء في مجال التأليف الموسيقي العربي، إذ ارتبط اسمه بعددٍ من الأعمال الدرامية التي شكّلت جزءاً من الذاكرة الفنية العربية، مثل 'التغريبة الفلسطينية' و'الزير سالم' و'ضيعة ضايعة' و'خان الحرير'. كما تعاون خلال مسيرته مع فنانين كبار، من بينهم ميادة الحناوي وأصالة نصري وعبدالله الرويشد.
ويمنح حضور هذه الأسماء المهرجانَ بُعدا احترافيا واضحا، كما يعكس حرص القائمين عليه على تقديم تجربة فنية جادة تُقيّم الأداء الموسيقي والغنائي وفق معايير رفيعة.
وتتولى الفنانة السورية جيني إسبر تقديم فعاليات المهرجان، في مشاركة وصفتها بأنها "شرف وفخر"، لا سيما مع وجود أسماء موسيقية بارزة في مقدمتهم المايسترو شادي جارور.
كما تشهد الدورة الحالية تكريما خاصاً للفنان جورج وسوف، أحد أبرز الأصوات العربية التي ارتبطت بوجدان أجيال متعاقبة في العالم العربي.
ويحمل هذا التكريم دلالة تتجاوز الاحتفاء باسم فني كبير؛ إذ يعكس تمسّك المهرجان بفكرة الوفاء للرموز الفنية التي أسهمت في تشكيل الهوية الموسيقية العربية الحديثة.
وفي قلب رؤية مهرجان مالمو يبرز الاهتمام بالمواهب الجديدة بوصفه أحد أهم أهدافه، إذ يسعى إلى منح العازفين والمطربين الشباب فرصةً للوصول إلى جمهور دولي، وتقديم تجاربهم الفنية ضمن منصة احترافية تجمع أسماءً مخضرمة وأصواتاً جديدة في آنٍ واحد.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الموسيقى العربية التقليدية تحدياتٍ جسيمة أمام التحولات المتسارعة في صناعة الموسيقى العالمية، مما يجعل دعم المواهب الشابة ضرورةً للحفاظ على هذا الإرث الموسيقي وتطويره في الوقت ذاته.
ولا يُخفي القائمون على المهرجان طموحهم في تحويله إلى تظاهرة فنية متنقلة يمكن أن تُقام مستقبلاً في مدن ودول أخرى، بما يُتيح للموسيقى العربية الوصول إلى مساحات جغرافية وثقافية أوسع. كما تُبثّ فعالياته مباشرةً عبر منصات مختلفة، في محاولة للوصول إلى جمهور عالمي يتابع هذا الفن من خارج حدود المنطقة العربية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متناميا بأن الموسيقى لم تعد مرتبطة بالمكان وحده، بل باتت جزءاً من فضاء ثقافي عالمي مفتوح، تستطيع فيه الأغنية العربية أن تجد جمهورها أينما وُجد الاهتمام بالفن الحقيقي.
ورغم أن المهرجان يحمل اسم العود والأغنية العربية، فإن رسالته الأعمق تتعلق بفكرة الثقافة العابرة للحدود، فالعود، بوصفه أحد أقدم الآلات الموسيقية الشرقية وأكثرها ارتباطا بالوجدان العربي، يتحول هنا إلى أداةٍ للحوار الثقافي وجسرٍ يربط بين الشعوب.
وفي زمن تتزايد فيه النزعات المنغلقة والصور النمطية المتبادلة، تبدو مثل هذه المبادرات الثقافية محاولةً مختلفة لإعادة تقديم الثقافة العربية من زاوية الفن والإبداع، بعيداً عن الخطابات السياسية والاختزالات التقليدية.
حين يرتفع صوت العود في مالمو خلال سبتمبر 2026، لن يكون الأمر مجرد حفلاتٍ موسيقية تُقام على مدى يومين، بل تعبيرا عن مشروع ثقافي يمنح الموسيقى العربية مساحةً جديدة داخل المشهد الفني الأوروبي، ويُثبت أنها ليست إرثاً ساكناً يُحفظ في الذاكرة، بل فنٌّ حي قادر على التجدد والتأثير وعبور الحدود.