القاهرة تحسم: الصحراء مغربية

الرؤيتان المغربية والمصرية تتقاطعان حول أولوية الحفاظ على وحدة الدول الوطنية ورفض منطق التفكيك الذي أرهق المنطقة خلال العقود الأخيرة.

ليست كل المواقف الدبلوماسية سواء، فبعضها يمر عابراً في هوامش الأخبار، فيما يتحول بعضها الآخر إلى لحظة كاشفة لتحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي. ومن هذا القبيل، يندرج تجديد مصر دعمها الصريح للوحدة الترابية للمغرب، ليس فقط باعتباره موقفاً سياسياً ثابتاً، بل كإشارة دالة على إعادة تشكل وعي عربي وإفريقي أكثر التصاقاً بمنطق الواقعية السياسية.

إن ما صدر عن القاهرة لا يمكن اختزاله في لغة المجاملة أو التضامن التقليدي، بل هو تعبير عن قراءة استراتيجية متقدمة لطبيعة النزاع في الصحراء المغربية، فبعد عقود من الجمود، بات واضحاً أن المقاربات التي راهنت على أطروحات قصوى أو حلول نظرية لم تعد قادرة على الصمود أمام تعقيدات الواقع.

وهنا تبرز قوة المقترح المغربي للحكم الذاتي، لا بوصفه حلاً سياسياً فحسب، بل كصيغة مركبة تستوعب تناقضات الملف وتعيد توجيهه نحو أفق قابل للتحقق.

إن دعم مصر لقرارات مجلس الأمن وخاصة تلك التي تكرس أولوية الحل السياسي التوافقي، يعكس انخراطاً واعياً في دينامية دولية تتجه تدريجياً نحو حسم هذا النزاع ضمن إطار السيادة المغربية. لم يعد الأمر يتعلق بتوازنات ظرفية داخل أروقة الأمم المتحدة، بل بتراكم قناعات دولية بأن الاستقرار الإقليمي يمر عبر تبني حلول واقعية، تُنهي حالة اللايقين وتفتح المجال أمام التنمية والاندماج.

غير أن الأهمية الأعمق للموقف المصري تكمن في رمزيته الجيوسياسية، فالقاهرة، بثقلها التاريخي وموقعها المركزي في العالم العربي وإفريقيا، لا تعلن مواقفها خارج حسابات دقيقة. وعندما تختار أن تجدد دعمها بهذا الوضوح، فهي لا تخاطب الرباط فقط، بل تبعث برسالة إلى محيط إقليمي ودولي مفادها أن زمن الغموض قد ولى، وأن الاصطفاف إلى جانب الحلول الواقعية أصبح ضرورة لا خياراً.

كما أن تثبيت هذا الموقف ضمن آلية مؤسساتية مشتركة، عبر لجنة التنسيق والمتابعة المغربية - المصرية، يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز الظرفية. إنه انتقال من مستوى التصريح إلى مستوى الالتزام، ومن منطق الدعم السياسي إلى أفق الشراكة في الدفاع عن استقرار المنطقة. وفي هذا السياق، تتقاطع الرؤيتان المغربية والمصرية حول أولوية الحفاظ على وحدة الدول الوطنية، ورفض منطق التفكيك الذي أرهق المنطقة خلال العقود الأخيرة.

وإذا كان العالم يعيش اليوم على إيقاع إعادة توزيع مراكز القوة، فإن قضايا مثل الصحراء المغربية لم تعد شأناً محلياً أو إقليمياً ضيقاً، بل أصبحت اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على إنتاج حلول عقلانية للنزاعات الممتدة. ومن هنا، فإن الموقف المصري يندرج ضمن هذا التحول الأوسع، حيث يتقدم منطق “الحل الممكن” على حساب "الحل المثالي" الذي طالما ظل رهين التعثر.

في النهاية، يمكن القول إن القاهرة، وهي تجدد دعمها للوحدة الترابية للمغرب، لا تكتفي بتأكيد موقف، بل تساهم في ترسيخ معادلة جديدة: معادلة تعطي الأولوية للاستقرار، وتمنح الشرعية للحلول القابلة للتطبيق، وتعيد الاعتبار لدور الدول الوطنية كركيزة أساسية في توازن النظام الإقليمي. وبين تعقيدات السياسة وصخب المواقف، يبرز هذا الصوت كأحد التعبيرات النادرة عن وضوح استراتيجي بات العالم في أمسّ الحاجة إليه.