الكحل التقليدي يزيّن يوم التراث العالمي في الشارقة

معهد الشارقة للتراث نظم فعاليات متنوعة لإحياء الموروث الشعبي، وحضوره في المجتمع.

الشارقة ـ احتفى معهد الشارقة للتراث، اليوم الخميس، بمقره، بـ'اليوم العالمي للتراث'، في فعالية ثقافية وتراثية سلطت الضوء على أحد أبرز مكونات الموروث الإماراتي، وهو 'الكحل' التقليدي، وسط حضور واسع من المهتمين بالشأن الثقافي والباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي.

ويأتي هذا الاحتفال في إطار جهود المعهد المتواصلة لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث بوصفه ركيزة أساسية للهوية الوطنية وذاكرة الشعوب، إضافة إلى كونه عنصرا حيا يعكس أساليب الحياة القديمة ويجسد ارتباط الإنسان ببيئته وتاريخه.

وشكّل الحدث فرصة لإعادة إحياء ممارسات تراثية متوارثة، والتعريف بقيمها الجمالية والصحية والاجتماعية. وقال عبدالعزيز المُسلّم  رئيس معهد الشارقة للتراث، إن الاحتفال باليوم العالمي للتراث يمثل محطة مهمة للتأكيد على أهمية الموروث الثقافي بوصفه جزءا أصيلا من هوية الأمم، مشيرا إلى أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو حاضر يتجدد ومستقبل يُبنى عليه، مضيفا أن صون التراث يتطلب تضافر الجهود الدولية والمحلية، والعمل على نقله للأجيال القادمة بأساليب معاصرة تحافظ على أصالته وتواكب التطور.

وأوضح، أن المعهد يواصل تنفيذ برامجه ومبادراته المتنوعة، مثل 'أيام الشارقة التراثية'، و'برنامج الراوي'، و'الليالي التراثية'، إلى جانب مشاركاته في الفعاليات الوطنية والدولية، بما يعزز حضور التراث الإماراتي على الساحة الثقافية العالمية، ويكرّس مكانة الشارقة كمركز إقليمي ودولي للثقافة والتراث، مؤكدا أن هذه الجهود تسهم في بناء وعي مجتمعي متجدد بأهمية التراث كعنصر أساسي في التنمية الثقافية.

من جانبه، أكد أبوبكر الكندي، مدير المعهد، أن الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الذي يصادف الثامن عشر من أبريل/نيسان من كل عام، يعكس اهتمام المؤسسة بالحفاظ على الموروث الثقافي وصون الهوية الوطنية، مشيرا إلى أن اختيار 'الكحل' ليكون محور الفعالية لهذا العام جاء نظرًا لما يحمله من دلالات تراثية وجمالية عميقة، وارتباطه الوثيق بالذاكرة الشعبية الإماراتية.

وأضاف، أن إدراج بعض عناصر التراث المرتبطة بالكحل ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو يعزز أهمية هذا الموروث، ويؤكد قيمته العالمية، لافتًا إلى أن البرنامج المصاحب للفعالية تضمن ورشًا حية قدمتها حرفيات إماراتيات، استعرضن خلالها طرق إعداد الكحل التقليدي ومراحله المختلفة، في تجربة تفاعلية جمعت بين المعرفة والممارسة.

وقدمت مروة المازمي، مسؤولة الفعاليات الخارجية والداخلية في المعهد، شرحا حول تفاصيل المشاركة، موضحة أن الورش ركزت على إبراز الجوانب الحرفية الدقيقة في صناعة الكحل، بدءا من استخراج المواد الخام، وصولًا إلى إعداد المنتج النهائي وفق الطرق التقليدية المتوارثة، بما يعكس ثراء هذا الموروث ودقته الفنية.

ويُعد الكحل من أقدم عناصر الزينة في التراث الإماراتي والعربي عموما، حيث ارتبط بجمال العين وعمقها، وشكّل جزءًا من الهوية الجمالية للمرأة عبر العصور. ولم يكن مجرد وسيلة للتجميل، بل اكتسب أيضا أبعادا صحية واجتماعية، إذ اعتُقد قديمًا أنه يساعد على حماية العين من الغبار وأشعة الشمس القوية، ويُستخدم في بعض الحالات التقليدية للعناية بالبصر.

واعتمدت المرأة الإماراتية في تحضير الكحل على مواد طبيعية، أبرزها حجر الإثمد، الذي كان يُسحق ويُعالج بطرق متعددة، من بينها الحرق على الجمر، أو النقع في مزيج من الماء والقهوة العربية لفترات طويلة، أو استخدام ماء الورد والحناء في بعض الوصفات التقليدية. وبعد مراحل المعالجة، يُطحن الحجر ويُنخل بعناية حتى يتحول إلى مسحوق ناعم جاهز للاستخدام.

وتنوعت أدوات إعداد واستخدام الكحل في البيئة الإماراتية، حيث استخدمت 'المكحلة' لحفظ المسحوق، وهي غالبا مصنوعة من الفخار أو المعدن أو الزجاج، بينما استُخدم 'المرود' لوضع الكحل داخل العين، وهو أداة دقيقة الصنع غالبا ما تكون من الخشب أو العاج أو الصدف، تعكس مهارة الحرفيين في تشكيل الأدوات التقليدية.

كما ارتبط الكحل بعادات اجتماعية وثقافية متجذرة، إذ كان جزءا من طقوس الزينة في المناسبات والأعراس، ويُستخدم لإبراز الجمال الطبيعي في الاحتفالات العائلية. وفي بعض الموروثات الشعبية، كان يُقدم للأطفال حديثي الولادة ضمن طقوس رمزية يُعتقد أنها تمنحهم الحماية والحظ الجيد.

وتشير الروايات التراثية إلى أن صناعة الكحل كانت تتم داخل البيوت، حيث تتوارث النساء طرق تحضيره من جيل إلى جيل، مما جعله جزءًا من التراث النسائي غير المادي. كما استخدمه الرجال في بعض المناطق أيضا، خاصة في البادية، حيث ارتبط بالوقاية من الظروف البيئية القاسية.

ورغم التطور الكبير في صناعة مستحضرات التجميل الحديثة، لا يزال الكحل التقليدي يحتفظ بمكانته في الثقافة الإماراتية، بوصفه رمزا  للأصالة والجمال الطبيعي، وعنصرًا يعكس ارتباط الإنسان ببيئته المحلية وببساطة أدواته التقليدية.

ويأتي هذا الاحتفال ليؤكد حرص إمارة الشارقة على صون التراث الثقافي غير المادي، وتعزيز حضوره في الوعي المجتمعي، عبر فعاليات تجمع بين التوثيق والممارسة الحية، بما يسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية وترسيخها لدى الأجيال القادمة، ويجعل من التراث عنصرًا فاعلًا في الحاضر والمستقبل.