المالكي يُناور سياسيا ويضع الإطار أمام اختبار الحسم

المالكي أبلغ حلفاءه في الإطار التنسيقي أنه لن يسحب ترشيحه إلا إذا صدر القرار عن أغلبية قادة التحالف وليس نتيجة ضغوط خارجية.

بغداد - رفع زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي سقف شروطه للانسحاب من سباق رئاسة الحكومة في العراق، بالتوازي مع تبني خطاب منفتح على شراكات دولية واسعة، في معادلة سياسية دقيقة تجمع بين التشدد التكتيكي والمرونة الدبلوماسية. وهذه الاستراتيجية، وفق تقديرات مراقبين، تعكس محاولة مزدوجة: تثبيت موقعه داخل التحالفات المحلية، وإعادة صياغة صورته خارجياً، ولا سيما تجاه الولايات المتحدة وأوروبا.

وأفادت مصادر سياسية مطلعة بأن المالكي أبلغ حلفاءه في الإطار التنسيقي أنه لن يسحب ترشيحه إلا إذا صدر القرار عن أغلبية قادة التحالف وليس نتيجة ضغوط خارجية، بينما يضع هذا الشرط الإطار أمام معادلة معقدة، فالتصويت ضده قد يُفسَّر رضوخا للضغوط الدولية، فيما إبقاؤه مرشحاً قد يعرّض التحالف لتبعات سياسية واقتصادية.

وتؤكد المصادر أن هذا التوازن الحرج أدى إلى تعطيل اجتماعات رسمية عدة، مع انتقال المشاورات إلى قنوات غير معلنة ومحاولات وساطة لإيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.

في المقابل، لم يكتفِ المالكي برفع شروطه، بل سعى إلى توجيه رسائل طمأنة للخارج، معلناً انفتاحه على شراكات اقتصادية واستراتيجية مع الغرب، ومؤكدا أن بلاده تحتاج إلى تعاون دولي يسرّع تطوير البنية التحتية والطاقة والخدمات. ويرى محللون أن هذا الخطاب لا ينفصل عن حسابات التوقيت، إذ يأتي في ظل تقارير عن تحذيرات أميركية من المضي في ترشيحه، تضمنت تلويحاً بإعادة تقييم العلاقات أو فرض إجراءات عقابية.

وتُقرأ هذه المؤشرات في سياق موقف سابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي انتقد سياسات المالكي خلال فترة رئاسته للحكومة بين عامي 2006 و2014، ما يجعل أي عودة محتملة له إلى المنصب محاطة بحساسيات دولية. لذلك يرى مراقبون أن إظهار الاستعداد للتعاون مع القوى الغربية يشكل محاولة استباقية لتخفيف الاعتراضات، وربما إعادة فتح قنوات التواصل مع العواصم المؤثرة.

وحتى داخل الإطار التنسيقي نفسه، تتباين الحسابات، فبعض القوى تعتبر أن التراجع عن ترشيحه الآن سيُظهر التحالف بمظهر الخاضع للضغوط، بينما تخشى قوى أخرى من أن الإصرار عليه قد يعمّق الأزمة السياسية ويطيل أمد تشكيل الحكومة. ودفع هذا الانقسام بعض القيادات إلى دراسة خيار حشد تصويت الأغلبية لسحب الترشيح في اجتماع مرتقب، وهو خيار يوصف بأنه "مجازفة" لأنه قد يخلق تصدعات داخل التحالف الشيعي الحاكم.

وكان الإطار قد أعلن في يناير/كانون الثاني 2026 ترشيح المالكي رسمياً بأغلبية مكوناته، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت أن الإجماع لم يكن صلباً، وأن التوافق الذي أنتج الترشيح قابل للاهتزاز تحت ضغط المتغيرات الداخلية والخارجية.

ومع اقتراب لحظة الحسم، تبدو المعادلة السياسية وكأنها رقعة شطرنج متوترة: خطوة واحدة خاطئة قد تعيد ترتيب التحالفات، بينما خطوة محسوبة بدقة قد تفتح باب تسوية تحفظ توازن القوى.

ويقف المشهد العراقي عند نقطة مفصلية، حيث يحاول المالكي الجمع بين لغة القوة داخل البيت السياسي ولغة الانفتاح خارجه، فيما يجد الإطار التنسيقي نفسه أمام اختبار صعب بين الحفاظ على تماسكه الداخلي وتجنب كلفة المواجهة مع الخارج.