المرأة المغربية تدفع عجلة التنمية الاقتصادية
الرباط – تُعدّ مشاركة المرأة المغربية في القطاع الصناعي رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في ظل التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين النساء من الاندماج في مختلف المجالات الإنتاجية. وخلال السنوات الأخيرة، شهد هذا القطاع حضوراً متزايداً للنساء، ما يعكس تحوّلاً إيجابياً في بنية سوق العمل وفي نظرة المجتمع لدور المرأة.
وأكد وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور، أن مشاركة النساء في القطاع الصناعي المغربي تشهد "تحولا نوعيا"، يتميز بتطور ملحوظ نحو تولي مناصب مؤهلة وقيادية.
وأوضح مزور في كلمة خلال النسخة الأولى من اليوم الدولي للمرأة في الصناعة، التي نظمتها وزارة الصناعة والتجارة بشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، أن الانخفاض الطفيف المسجل في نسبة مشاركة النساء بنقطة واحدة يخفي في الواقع دينامية إيجابية للإدماج.
وأضاف مزور أن "هذا التراجع يعود أساسا إلى فقدان وظائف منخفضة التأهيل في بعض القطاعات ذات الطابع اليدوي، في حين نلاحظ بالمقابل تطورا مهما نحو تولي المناصب التي تتطلب مهارات عالية ومهام قيادية".
وتتوزع مشاركة المرأة المغربية على عدة مجالات صناعية، من أبرزها صناعة النسيج التي تُعتبر الأكثر استقطاباً للنساء، حيث يشكّلن النسبة الأكبر من اليد العاملة في مصانع الملابس والجلد.
كما برز حضورهن في الصناعات الغذائية، حيث يشاركن في مختلف مراحل الإنتاج والتغليف ومراقبة الجودة، خاصة في الصناعات التي تشهد نمواً ملحوظاً. ولم يقتصر دور المرأة على هذه المجالات التقليدية، بل امتد ليشمل صناعات أكثر تطوراً مثل صناعة السيارات والطيران، حيث دخلت النساء مجالات تقنية وإدارية كالجودة والصيانة والهندسة واللوجستيك. كذلك، تشهد الصناعات الكيميائية والدوائية حضوراً متزايداً للنساء، خاصة في مجالات البحث والتطوير والمراقبة التقنية والإنتاج.
وأشار الوزير إلى أن الصناعة التي كانت تعتبر لفترة طويلة مجالا يهيمن عليه الرجال، أصبحت اليوم منفتحة بشكل كبير على النساء، اللواتي يستثمرن ويقدن ويتحملن مسؤوليات كبرى في مختلف مستويات التدبير المتوسط والعالي.
وتابع الوزير أن هذه الدينامية تؤكدها الأرقام حيث يبلغ معدل المناصفة في القطاع الصناعي 41 في المائة، فيما تمثل النساء 32 في المائة من المناصب ذات المؤهلات العالية، ما يجعل المغرب يتفوق على عدد من الاقتصادات العالمية الكبرى.
ويعود هذا التقدم إلى عدة عوامل داعمة، في مقدمتها السياسات الحكومية التي تبنّت استراتيجيات وطنية مثل "استراتيجية الصناعة 2030"، والتي تضع العنصر البشري في صلب التنمية الصناعية، مع تشجيع إدماج النساء في سوق العمل. كما ساهمت برامج التكوين المهني والتقني في توسيع فرص النساء، مع تزايد إقبال الفتيات على التخصصات العلمية والتقنية. إضافة إلى ذلك، برزت مبادرات لدعم المقاولات النسائية، خاصة في الصناعات الغذائية والتجميلية والصناعات التقليدية، إلى جانب تطور الوعي المجتمعي بأهمية عمل المرأة ومساهمتها الاقتصادية.
وبغية ضمان استدامة هذه الدينامية، دعا مزور إلى مأسسة هذا اليوم الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة، لجعله موعدا سنويا لتقييم المؤشرات ووضع تدابير جديدة تعزز ولوج الكفاءات النسائية إلى القطاع.
وتؤكد هذه الدينامية التزام المملكة بجعل إدماج النساء رافعة أساسية للتنافسية والابتكار والأداء الصناعي، وتعزيز علامة "صنع في المغرب" بشكل أكثر شمولا وعدالة وتنافسية على الصعيد الدولي، انسجاما مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائمة على تثمين الرأسمال البشري الوطني وتعزيز مكانة المرأة كركيزة للتنمية بالمملكة.
من جهتها، أكدت ممثلة منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية بالمغرب سناء لحلو، أن "الصناعة الفعالة لا يمكن أن تشتغل وهي محرومة من نصف طاقاتها".
وشددت على أن التحدي اليوم يتمثل في الانتقال من الولوج إلى الترقي عبر تمكين النساء من بلوغ مواقع القيادة، مبرزة أن الصناعة المغربية التي بلغت مستوى متقدما من النضج مطالبة اليوم بجعل الإدماج في نفس مستوى التنافسية والابتكار.
وأضافت لحلو، أن المنظمة تعمل في هذا الإطار، على إدماج مقاربة النوع بشكل صارم في مشاريعها التقنية (إزالة الكربون، الصناعة 4.0)، بهدف بلوغ نسبة تصل إلى 50 في المائة من النساء المستفيدات.
ولتدعيم هذه المكتسبات، حددت المسؤولة الأممية ثلاثة محاور أساسية، تشمل توفير بيئات عمل آمنة تتيح فرصا حقيقية للتطور، وإدماج بنية تحتية ملائمة داخل المناطق الصناعية (أمن النقل، دور الحضانة)، إضافة إلى إحداث تغيير عميق في العقليات لتعزيز الثقة في الكفاءات النسائية وإلهام الأجيال الصاعدة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو آفاق مشاركة المرأة المغربية في القطاع الصناعي واعدة، مدفوعة بالإرادة السياسية والدينامية الاقتصادية المتنامية. ومع مواصلة الجهود في مجالات التكوين والمساواة ودعم المقاولة النسائية، يُنتظر أن تضطلع المرأة بدور أكثر تأثيراً في بناء صناعة وطنية تنافسية، تساهم في خلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة.
وتندرج هذه الاحتفالية في إطار مبادرة دولية أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، عقب اعتماد قرار خلال القمة العالمية للصناعة 2025 بالرياض، يقضي بإقرار 21 أبريل/نيسان يوما دوليا للمرأة في الصناعة.