النبش في دماغ الناس عند أحمد الشيخ

صاحب ''الناس في كفر عسكر'' يُعدّ أديباً واقعياً بامتياز، كرّس أدبه لرصد الواقع الريفي والتحولات الاجتماعية في القرية المصرية.

يُعد الكاتب الروائي والقصصي أحمد الشيخ (1939 – 2017) واحدًا من أبرز كتاب "جيل الستينيات" الذين كرَّسوا أدبهم لرصد الواقع الريفي. وأسلوبه يتميز بالواقعية الشديدة والارتباط بالأرض والموروث الشعبي، حيث تدور معظم أعماله في بيئة القرية وهموم الفلاحين. وهو يركز على التحولات الاجتماعية في الريف المصري، ومن أشهر أعماله "الناس في كفر عسكر" (2002) التي تحوّلت لعمل درامي شهير يجسد صراع العائلات والمكان. ولقد حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا عند عرضه تلفزيونيًّا، انتزع ذهبية أفضل مسلسل اجتماعي عربي بمهرجان القاهرة العاشر (2003)، وحصل على ست ذهبيات أخرى لأفضل ممثلة وممثلة مساعدة وأفضل سيناريو وإخراج "نادر جلال".

إن الشيخ يكتب من زاوية "الأديب الشعبي" الغارق في تفاصيل ووجدان القرية المصرية. وتتمحور روايته "الناس في كفر عسكر" (والعمل الدرامي المأخوذ عنها) حول الصراع على "الأرض والجذور" بين عائلتي عوف وشلبي. فعبدالقادر عوف (صلاح السعدني) يمثل "الأصل" والارتباط بالأرض؛ هو كبير عائلة عوف التي تمتلك التاريخ والمكان، لكنه يقع في صراعات أخلاقية ومادية بسبب زيجاته ومطامع من حوله، أما فطوم (دلال عبدالعزيز) فهي الشخصية المحركة للشر والمكائد في عائلة "شلبي"؛ وتمثل الطموح غير المشروع والرغبة في انتزاع السلطة والمكانة في الكفر بأي وسيلة. بينما عبدالستار (أحمد بدير) يمثل الطرف الآخر في الصراع من عائلة شلبي، والذين دخلوا الكفر "مرتزقة" ثم حاولوا صناعة تاريخ لأنفسهم عبر السيطرة على الأراضي بأساليب ملتوية، وهنا يبرز الرمز السياسي. أما شوق (حنان شوقي) وصالح (فتحي عبدالوهاب) فيمثلان الجيل الجديد الذي يقع ضحية صراعات الكبار وتداخل علاقات المصاهرة والدم بين العائلتين المتصارعتين.

بهذا، يكون أحمد الشيخ حارسًا لذاكرة القرية المصرية بشخصياتها الواقعية، ومجموعته القصصية "النبش في الدماغ" (1981)  يغلب عليها الطابع الواقعي مع لمسات من التجريب النفسي. فالكاتب ينبش في تفاصيل الريف والطبقات الشعبية، حيث يتحول "الدماغ" إلى مخزن للذكريات المنسية والمهمَّشة. والقصص هنا محاولة لاستعادة زمن مضى أو مواجهة انكسارات الحاضر عبر الذاكرة، مع حس إنساني يميل إلى التأمل في التغيرات الاجتماعية العنيفة.

وقد لاحظنا أن الشيخ يميل إلى تشريح الواقع عبر شخصيات مأزومة؛ فـ "النبش" ليس مجرد تذكر، بل هو عملية استخراج مؤلمة للترسبَّات النفسية والاجتماعية. فهو يعتني بالتفاصيل الدقيقة للبيئة (الريفية والشعبية)، مما يمنح الذاكرة جسدًا ماديًّا ملموسًا. وتعتمد قصص المجموعة على صراع داخلي يتصاعد مع محاولة الشخصية فهم حاضرها من خلال ماضيها، وغالبًا ما تنتهي بلحظة تنوير قاسية.

إن النبش في الدماغ يؤدي إلى مواجهة مع "الخراب" أو الواقع الاجتماعي المنهار. والشخصية عندما تنبش في دماغها، لا تجد خلاصًا، بل تجد انكسارات الماضي التي تشوّه الحاضر. وتنتهي القصة بحالة من العجز. فالذاكرة هنا "فضيحة" أو كشف للمستور الذي كان النسيان يغطيه أو يخفيه، مما يترك البطل (والقارئ) في حالة مواجهة مؤلمة مع حقيقة لا يمكن تغييرها.

إن وظيفة الذاكرة عند الشيخ كانت أداة لتعرية المجتمع والفقر، وكان مصير بطل الشيخ أنه سقط تحت وطأة ما تذكَّره.

يكتب أحمد الشيخ بروح المُشرِّح الذي يغوص في العمق، وتتميز مفرداته بأنها  مادية، خشنة، وحفرية ، ففعل "النبش" يصطحب كلمات توحي بالجهد العضلي والألم، مثل الحفر، التنقيب، إزالة الركام، استخراج الوجع... ويؤكد أن التذكر عنده ليس نزهة، بل هو عمل شاق يهدف لتعرية الواقع. أما الذاكرة فكأنها مخزن قديم أو "قبو" مليء بالأتربة، حيث تتشابك الذكريات بالروائح الكريهة أو الصور الممزقة للفقر والريف.

استخدم الشيخ الجملة السردية الطويلة، المتلاحقة، التي تعتمد على النفس الملحمي الذي يحاول حصر كل تفاصيل الماضي قبل أن تضيع مرة أخرى.

ونخلص إلى إن "الذاكرة" هي المحور الجوهري الذي تدور حوله مجموعة "النبش في الدماغ". إن الكاتب ينطلق من رؤية "تشريحية"؛ فالذاكرة عنده ليست هبة، بل هي ركام يحتاج إلى "نبش" لاستخراج الحقائق الاجتماعية والنفسية المدفونة. والذاكرة عنده هي أرشيف الانكسارات والهزائم الفردية والجمعية.

رأينا عند أحمد الشيخ هيمنة الواقعية النقدية، حيث تبرز اللغة "المادية" الغنية بتفاصيل الريف والبيئة الشعبية. فـ "النبش" فعل عضلي مؤلم، واللغة تتبع هذا الجهد بجمل طويلة ونفس ملحمي يغوص في تفاصيل "القبو" الإنساني.

في "النبش في الدماغ" تنتهي الرحلة بصدمة. إنها الحقيقة التي يتم استخراجها فتؤدي إلى تمزق الشخصية وعجزها أمام واقعها المرير. والذاكرة هنا "عبء اجتماعي" يكشف زيف الحاضر.

إن الشيخ "ينبش" في الدماغ ليدين واقعًا اجتماعيًّا، والزمن عنده زمن ثقيل ورتيب، يتسم بأنه زمن دائري ومستبد. الماضي لا يمضي فعليًّا، بل يظل جاثمًا فوق صدر الحاضر. و"التذكُّر" هو محاولة لفك حصار الماضي، لكن الشخصيات غالباً ما تجد نفسها محاصرة في نقطة زمنية قديمة (لحظة انكسار أو فقر أو فقد). الزمن يطحن الشخصيات تحت وطأة التكرار، والحاضر ليس إلا صدى مشوهًا لما حدث سلفًا.

ونشير إلى أن أحمد الشيخ حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2014 عن مجمل أعماله، وقبلها حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1985 عن مجموعته القصصية "النبش في الدماغ".