بين ثنائية الاتهام وتبرير الاعتداء: قراءة في خطاب المحور الإيراني
لم تعد الصراعات الدائرة في منطقتنا العربية تُفهم من خلال موازين القوة التقليدية فحسب، بل صارت ترتبط على نحو وثيق بطبيعة الخطاب الذي يعيد تشكيل إدراك المجتمع لهذه الصراعات. حيث ثمة نمط من السرديات السياسية يعمل على اختزال الواقع في ثنائيات حادة، تُقصي التنوع وتُجرّم المعارضة، وتُحوّل المجال العام لساحة مغلقة لا يُسمع فيها إلا صوت واحد. وفي هذا السياق، تبرز أنواع من الخطابات التي توظف أدوات أيديولوجية وإعلامية لإعادة تعريف الخصومة السياسية، وتحويل المطالب الاجتماعية والحقوقية لتهديدات وجودية. وإن فهم طبيعة هذه الخطابات يمثل مدخلًا أساسيًا لقراءة تحولات الصراع في المنطقة، ويكشف عن الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الوعي الجمعي وتوجيهه.
ومع استمرار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، برز خطاب ما يعرف بـ"المحور الإيراني"، كأداوات أيديولوجية لا تكتفي بمحاولة رسم السياسات فحسب، بل تعمل على إعادة تعريف الصديق والعدو وفق المعايير الولائية الأيديولوجية الصارمة، واعتمادها على استراتيجية الإقصاء الثنائي، من خلال حصر أي حالات شعبية أو معارضة سياسية بين خيارين وتهمتين: إما أن يُنسب إليهم تهمة التبعية للمشروع الأميركي الصهيوني، أو الانتماء للفكر التكفيري الداعشي. وهذا ما لاحظناه ولمسناه في كل من العراق وسوريا واليمن. والهدف من هذا التقسيم، تجريد الضحايا من حقوقهم في المواطنة وتحويل الصراع من صراع على الحقوق والخدمات إلى حروب وجودية مقدسة، يتمكنوا من خلالها من تكميم الأفواه ومنع المعارضة باستخدام التهم الجاهزة الموجهة نحوهم.
والخطاب الإعلامي لهذا المحور يعمل على شيطنة الخصوم وعامة الناس على قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا". وفي علم الاجتماع السياسي، تعد المعارضة جزءًا أصيلًا من الدولة، وتضمن لهم حقوقهم، بما فيها حقهم في ممارسة أنشطتهم السياسية التي تعارض نظام الحكم القائم. لكن في الأدبيات الولائية للمحور، تعتبر المعارضة طابورا خامسا، وبحسب دراسة تحليلية فإن الهدف من هذا رفع الكلفة الأخلاقية للتضامن معهم، وإسكات أي صوت آخر يمكن أن يحذو حذوهم أو يتضامن أو ينضم إليهم.
وعندما تقنع الميليشيات أتباعها بأن هذا المعارض أو المتظاهر داعشي مستقبلي أو تابع لأدوات خارجية، فهي تعمل على شرعنة القمع مهما كانت وسائله، باعتباره حماية للدولة والمجتمع. ويمكن التمثيل لهذا بما حدث في الاحتجاجات العراقية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2019م، والتي مثلت تحديًا كبيرًا لميليشيات المحور الإيراني هناك، فقد كانت أهدافها في المطالبة بمحاربة الفساد وتوفير الخدمات الأساسية، وكان شعارها "خبز، كرامة، وطن". فأخرجت لهم ماكينة إعلام المحور مصطلح "الجوكريّة" للإيحاء بأن الاحتجاجات فوضى تقودها المخابرات الأميركية. وبعد تعميم هذا المصطلح ووَصم المتظاهرين بالخيانة، عملت على قمع المتظاهرين باستخدام القنابل المسيلة للدموع واستخدمت القناصات لقمع وإبادة الاحتجاجات والمشاركين فيها. وبحسب تقارير دولية، فقد تم اغتيال ناشطين في عدة مدن عراقية بعد حملات تشويه وصفتهم بعملاء السفارات. وبهذا أصبح المتظاهرون مادة للقتل باعتبارهم أعداء للمذهب وعملاء للخارج أيضًا، ناهيك عن أوصاف التطرف والإرهاب التي يتم إلصاقها بكل من يعارض أدوات المحور في العراق وغيرها.
وعلى نفس المنوال، يستنسخ الحوثيون في اليمن ذات التجربة الإيرانية، ولكن باستخدام ألفاظ وأساليب محلية، حيث عملوا على تقسيم المجتمع إلى صنفين "مجاهدين" و"منافقين". والمجاهدون أفرادهم ومؤيديهم وكل من يدفع "المجهود الحربي" لتمويل حروبهم التي تستهدف اليمنيين حربا ودول الجوار تهديدا، أما المنافقون فكل من يخالفهم أو لا يستطيع سداد ما فُرض عليه، ولو كان على حساب قوت أسرته وأولاده.
واستخدم الحوثيون لفظ "الدعشنة" كوصف لكل قرية أو مدينة يقتحمونها، حدث هذا في تعز ومأرب وعدن، ويحدث في البيضاء بين كل فترة وأخرى. ويسبقون هذا الاجتياح بشن حملات تروّج لادعاءات وجود خلايا للقاعدة وداعش، مما يخلق لهم جوًا خاليًا من النقد وضحايا دون تضامن. ولم يكتفِ الحوثي بالقتال والقتل الميداني، بل وظف القضاء والمحاكم لمحاكمات هزلية حُكم من خلالها على مواطنين ومعارضين وصحفيين وكتاب رأي وأكاديميين، والتهمة جاهزة: "إعانة العدوان"، وهي تهمة مطاطة تشمل حتى كتابة منشور فيسبوك لمواطن ينتقد الجوع ويطالب براتبه. وبحسب تقرير فريق الخبراء الدوليين، فإن أحكام الإعدام التي قضت بها محاكمهم، ماهي إلا وسيلة إرهاب سياسي، تهدف لخلق مجتمع صامت ومطيع.
وفي سوريا، يستخدم المحور ذات الفزاعة والأسطوانة، وعملت آلتهم الإعلامية على تصوير نظام الأسد وتصديره كحامٍ للأقليات ضد الإرهاب، في الوقت الذي كانت تمارس فيه الميليشيات الإيرانية تطهيرًا طائفيًا وعرقيًا في دمشق وحلب وغيرها من المحافظات على امتداد الدولة السورية. وقد وجد السويون أنفسهم إرهابيون وعملاء وتابعين لغرف عمليات دولية بحسب دعاية المحور الإيراني وأدواته، ليجدوا مبررًا لتدمير المدن وهدم المنازل فوق ساكنيها. واستمر تعميم هذه الدعاية واتهام الضحايا بهدف إطالة أمد المستبد والديكتاتور، حتى كانت لحظة الحرية، وعبرت سوريا إلى شط الأمان في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وعلى وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، كانت الدعاية الإعلامية للمحور الإيراني حاضرة وجاهزة لتبرير الاستهداف الإيراني للدول العربية في منطقة الخليج، وبدأت إيران بقصف الدول الخليجية في أعقاب القصف الأميركي مباشرة بحجة استهداف القواعد الأميركية في المنطقة. وعلى الرغم من تأكيد الدول العربية مرارا أن لا علاقة لها بهذه الحرب، وأنها لا تسمح باستخدام أجوائها وأراضيها لأي عملية تستهدف إيران، إلا أنها استمرت في استهداف الأعيان المدنية والاقتصادية بدول الخليج والأردن، والماكينة الإعلامية وادعاءاتها جاهزة للتبرير بأن الصواريخ والمسيرات لا تستهدف سوى المصالح الأميركية في المنطقة، ودون أن تقدم دليلًا واحدًا على أي من هذه التهم التي بررت بها استهداف محيطها العربي في المنطقة.
وإن المتتبع لأنماط الخطاب الأيديولوجي لهذا المحور في كل من العراق وسوريا واليمن يكشف عن بنية متكررة قاسمها المشترك شيطنة الخصوم وتجريم المعارضة وتحويلها إلى تهديد وجودي يستدعي الاستئصال. وهذا يفضي إلى تقويض المجال السياسي وتفريغه من مضمونه التعددي، ويؤسس لبيئات مغلقة تُدار بالخوف وتُحكم بالصمت. ولذا فإنه يتوجب علينا فضح الآليات التي تعيد تعريف الضحية كجاني. فالمعركة لم تعد مجرد صراع نفوذ، بل صراع على الحقيقة ذاتها، وعلى حق الشعوب في أن تُسمع أصواتها خارج ثنائيات الإقصاء واتهامات التخوين الجاهزة.