إيران والعرب: قراءة في سردية التاريخ ومآلات الصراع
في ظل التحولات والتطورات التي تشهدها منطقتنا، والتصعيد المتزايد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتصعيد الإيراني تجاه الدول العربية في الخليج، يعود الجدل مجددًا حول طبيعة الدور الإيراني في منطقتنا العربية، بين كونه امتدادًا تاريخيًا لصراعات قديمة، أو مشروعًا سياسيًا حديثًا بطرق ووسائل مختلفة. ولفهم هذا المشهد نعود إلى الجذور التاريخية لعلاقة العرب وإيران، من خلال استحضار أهم المحطات من قبل الإسلام، مرورًا بعصور الفتوحات والدول الإسلامية، وصولًا للتحولات الكبرى التي حدثت في العصر الحديث، وما أفرزته من أنماط من التفاعل والصراع.
ولاستعراض العلاقات التاريخية، علينا أن نعود لما قبل الإسلام حيث كانت إيران تُسمى بلاد فارس، وكانت العرب يتبعون (الإمبراطورية الفارسية)، وبدأ العرب بالانفكاك عنها عقب مقتل النعمان بن المنذر في معركة ذي قار التي انتصر فيها العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
أشرقت شمس الإسلام واستقر الدين في جزيرة العرب وبدأت الفتوحات بنشر الدين الاسلامي وتوسيعه شرقًا وغربًا، وكانت بلاد تدين بغير الإسلام، وبدأت سلسلة حملات عسكرية في عهد الخلفاء الراشدين أدت إلى انهيار الإمبراطورية الفارسية، التي انتهت في معركة القادسية التي قادها سعد بن أبي وقاص في 15ه، وانتهى حكم الأكاسرة فعليًا في معركة نهاوند عام 21 ه، وبهذا أصبحت بلاد فارس جزءًا من الدولة الإسلامية وتدين بالمذهب السني.
ومع ذلك فقد ظلت مظاهر الخلاف بين العرب والفرس تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، وظل الفرس يتحينون الفرص للاستيلاء على أهم مفاصل الدولة الإسلامية، ومن ذلك ما فعله وزير المأمون الفضل بن سهل حين عمل على تقريب وتولية القادة الخراسانيين من الفرس على حساب النخب العربية والعباسية آنذاك.
مع بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) ظهرت الدولة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل الأول، حيث تقول المصادر التاريخية انه فرض المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا للدولة، وألزم جميع السكان بتحويل مذاهبهم، وقتل كل من يخالف ذلك، وقد قال مؤرخ مكة القطب الحنفي أن إسماعيل الصفوي قتل خلقًا لا يحصون ينوف على ألف ألف، واستقدم علماء الشيعة من مناطق أخرى لتثبيت دعائم المذهب الاثنى عشري في إيران وما جاورها، واستمر حكم هذه الدولة حتى العام 1736م حيث اتسم عهدها بالنزاع العقائدي خاصة مع جيرانها العرب، كما شهدت تحالفات للدولة الصفوية مع القوى الأوروبية ضد العرب والعثمانيين.
وعقب انهيار الدولة الصفوية وسقوطها، ظلت إيران تتجاذبها العديد من القوى حتى تأسست الإمبراطورية القاجارية، ثم بدأت دولة إيران الحديثة بقيادة محمد رضا بهلوي عقب انقلابه على آخر ملوك القاجارية، وقد قام بتوحيد كافة المناطق وضم إليها إقليم الأهواز، وأعلن المذهب الشيعي دينًا رسميًا، وعمل على إحياء التقاليد واللغة الفارسية، وغير أسماء المدن من العربية إلى الفارسية وفرض حظرًا على استخدام اللغة العربية. واتسم عهد الدولة البهلوية (نسبة الى الشاه محمد رضا بهلوي مؤسسها الأول) بالتوتر مع العرب والتحالفات مع الغرب، وعمل الشاه كـ "شرطي للمنطقة" بسبب علاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، واستمر على هذا النحو حتى قامت عليه الثورة التي قادها الخميني عام 1979م.
أما بالنسبة لإيران الحديثة، فقد اتسمت علاقتها مع جيرانها العرب عامة، ودول الخليج خاصة، بمزيد من التوتر، منذ إعلانها المبادئ الصدامية (ولاية الفقيه – تصدير الثورة) وتأسيس الحرس الثوري كجناح عسكري يتبع المرشد مباشرة. ولم يكد النظام الجديد يكمل عامه الأول حتى نشبت الحرب بين إيران والعراق، وكان من أبرز أسبابها تبني إيران سياسة تصدير الثورة بالإضافة للخلاف الذي كان قائما بين الدولتين حول ترسيم الحدود.
وبعد انتهاء الحرب، ظلت إيران تمارس ذات السياسة في محاولة تصدير الثورة للدول المجاورة، وعززت ذلك من خلال تعاونها مع الولايات المتحدة في إسقاط نظام الرئيس صدام حسين واحتلال العراق، حيث آلت الأمور هناك بشكل مباشر أو غير مباشر لولاية الفقيه في إيران. وعلى ذات النهج، انتقلت إيران إلى لبنان من خلال حزب الله، ثم إلى سوريا من خلال نظام الأسد، وأخيرًا إلى اليمن. وأعلن مسؤولون إيرانيون عقب الانقلاب الحوثي على السلطة في صنعاء عام 2014 م، بأن أربعة عواصم عربية أصبحت تابعة لإيران، ومنذ ذلك الحين عملت إيران على دعم وكلائها لزعزعة أمن واستقرار هذه البلدان، والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين.
وعلى وقع الحرب الجارية اليوم، يبرز النقاش بين صنفين من النخب العربية؛ أحدهما عاش في بلدان طالتها أيادي العبث الإيرانية، وآخرون لم يدركوا هذا أو يعايشوه. حيث يفرق الطرف الأول بين إيران البلد والجغرافيا، وإيران النظام؛ فإيران الدولة والشعب بلد جار، وشعب مسلم يتفق الجميع على رفض قصفه وتدميره، وأما بالنسبة لإيران النظام، فهو نظام إجرامي ومشروع صفوي مهدد للعالم الإسلامي منذ أربعة قرون، وله تاريخ من التآمر والتوسع من خلال القتل والتهجير، ولا يفرق في نظرهم عن الكيان الصهيوني كثيرًا، فكلاهما له ذات الأطماع الاستعمارية على حساب بلدان المسلمين. وبين الطرف الآخر الذي ينظر لإيران كدولة مقاومة في وجه ما تسميه (قوى الاستكبار العالمي) ويدعو للوقوف معها، وهذا وهمٌ يدحضه ما فعلته طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وأما بالنسبة لفلسطين، فلا يُعلم على وجه التحديد كيف اقتنع بعض العرب أن إيران كانت تُعد العدة لتحريرها؛ فإيران الحالية لا تختلف عن إيران الشاه إلا في الشكليات، فهي دولة تأتي من القومية الفارسية أولًا، وما رفعت شعار القضية الفلسطينية إلا وسيلة للتمدد في جسد العالم العربي، لأنها تعرف عاطفة الشعوب تجاهها. وبينما نشاهد صواريخها تنال من بلداننا العربية كل يوم، لا يزال بعضنا يبرر ما تفعله بمبررات لا تمت للعقل بصلة، بحجة مقارعة "قوى الاستكبار" وزعامة ما تسميه "محور المقاومة"، رغم أن فلسطين براء مما تقوم به.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن العلاقة بين العرب وإيران لم تكن يومًا مستقرة، بل محكومة بخلافات فرضتها العقيدة والسياسة والجغرافيا، وأن التحدي الحقيقي هو بناء وعي متوازن يفرق بين الشعوب والأنظمة، ويكون مدركًا لطبيعة المشاريع التي تستهدف أرضنا وإرثنا، فاستقرار منطقتنا لن يتحقق إلا بفهمنا لواقعنا وقراءتنا لتاريخنا قراءة دقيقة فاحصة، نستحضر من خلالها مصالح شعوبنا بعيدًا عن أي توظيف أيديولوجي أو سياسي.