قرار أم الروليت الروسي؟
واجه النظام الإيراني منذ تأسيسه عدداً كبيراً من التحديات والتهديدات النوعية، حتى إن بعضاً منها كان يهدد النظام وجودياً. ولعل من أكثرها خطورة عليه، ما حدث عندما اجتاح جيش التحرير الوطني التابع لمنظمة مجاهدي خلق الأراضي الإيرانية على إثر نهاية الحرب بين إيران والعراق، وحرر مساحات شاسعة منها ووصل إلى مشارف مدينة كرمانشاه، وحينها أعلن الخميني النفير العام بوجه ذلك الهجوم.
وكما كانت الموافقة على قرار وقف إطلاق النار في الحرب مع العراق عام 1988 من أصعب القرارات التي اتخذها الخميني، إذ اعتبره بمثابة تجرع كأسٍ من السم، في حين إن فتواه بشأن إباحة قتل الأكراد في سنندج عام 1981، وكذلك فتواه بشأن إعدام آلاف السجناء السياسيين، كانتا بالنسبة إليه أسهل من شرب كأس ماء؛ لكنه كان يعلم جيداً بأنه لو لم يوافق على القرار المذكور فإن مصير النظام برمته كان سيصبح على كف عفريت!
اليوم، وبعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد مهلة وقف إطلاق النار من دون أن يحددها، وانتظاره في ضوء ذلك قراراً إيرانياً بالقدوم إلى المفاوضات لمواجهة مطالبه الثقيلة التي تنتظر موافقتهم عليها، فإن الانقسام الحاصل بين قادة النظام على اتخاذ قرار بشأن الذهاب إلى إسلام آباد من جانب، وتحديد الموقف الرسمي للنظام من المطالب الأميركية من جانب آخر، هو حاصل تحصيل منطقي؛ لأن إيران تفتقد شخصية رئيسية محورية نافذة بإمكانها أن توحد المواقف وتخرج بقرار مناسب.
هذا الوضع الصعب والمقلق الذي يواجهه قادة إيران ما بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، هو وضع غير مسبوق، بل وحتى فريد من نوعه على مر تاريخ النظام القائم منذ 47 عاماً. والحقيقة إن الموقف ليس صعباً ومقلقاً فحسب، بل وحتى يقترب من كونه وجودياً، فهو أشبه ما يكون بلعبة الروليت الروسية؛ إذ كأنهم يطلقون رصاصة على رأس خصمهم والدور سيكون في المرة القادمة لخصمه إذا نجا منها، لكن مشكلتهم ليست في أميركا التي تواجههم، وإنما في الشعب الذي يرى ما آلت إليه الأوضاع بسبب سياسات غير حكيمة جعلت من إيران أشبه بفريسة مثخنة بالجراح أمام القوى العظمى، وقطعاً فإن الخوف من الشعب أكبر وأقوى بكثير من الخوف من أميركا.
لكن، من المهم هنا أيضاً معرفة إن اتخاذ القرار من عدمه لن يغير من وضع وموقف النظام؛ لأنه أساساً يقف على الحافة سواءً بالنسبة للولايات المتحدة أو بالنسبة للشعب، وحتى إن زعمه بشروعه بأخذ الرسوم من السفن على عبور مضيق هرمز ليس سوى مجرد سفسطة من أجل التغطية على ما يواجهه النظام من تهديد وجودي.