تحول في الخطاب الإيراني من العناد إلى عرض شراكة اقتصادية
طهران – أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية حميد قنبري، أن طهران تسعى إلى اتفاق يحقق مكاسب متبادلة، مشدداً على أن أي تفاهم لن يكون مستداماً ما لم تستفد منه واشنطن أيضاً، فيما يعكس هذا الطرح تحولاً في الخطاب الإيراني، إذ يربط صراحة بين الملف النووي والمصالح الاقتصادية المشتركة، بما يوحي باستعداد لإعادة صياغة معادلة التفاوض على أساس الربح المتبادل لا الاكتفاء بمطلب رفع العقوبات.
وتزامن هذه الرسائل مع تحركات عسكرية أميركية في المنطقة، بينها تعزيز الوجود البحري والاستعداد لسيناريوهات عمليات واسعة، يضع التصريحات الإيرانية ضمن سياق ضغط مزدوج، فمن جهة تواجه طهران تهديداً عسكرياً ملموساً، ومن جهة أخرى تعاني ضغوطاً اقتصادية متفاقمة، خاصة مع محاولات تقليص صادراتها النفطية إلى الصين التي تستحوذ على الحصة الأكبر منها. وأي تراجع في هذا المسار قد يعني ضربة مباشرة لإيرادات العملة الصعبة، ما يزيد من حدة أزمة اقتصادية توصف داخلياً بأنها الأشد منذ سنوات.
وتشير مواقف رسمية صادرة من إيران إلى استعداد لبحث اتفاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة في قطاعات الطاقة والتعدين والطيران، وذلك قبل أيام من جولة محادثات مرتقبة في جنيف، في وقت تتقاطع فيه ضغوط عسكرية واقتصادية متصاعدة. ويأتي هذا التطور بينما تؤكد واشنطن، وفق تصريحات الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، تفضيلها المسار الدبلوماسي مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً إذا أخفقت المفاوضات.
في هذا المناخ، تبدو اللهجة التصالحية لبعض المسؤولين الإيرانيين محاولة لامتصاص الصدمات المتلاحقة، فقد أكد نائب وزير الخارجية مجيد تخت روانجي في مقابلة مع 'بي بي سي' استعداد بلاده للنظر في تقديم تنازلات مقابل رفع العقوبات، معتبرا أن المبادرة الآن بيد واشنطن.
كذلك أشار رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إلى إمكانية خفض مستويات التخصيب المرتفعة إذا رُفعت القيود المالية، مع التمسك برفض الوقف الكامل للتخصيب، وهو شرط تصر عليه الولايات المتحدة.
وتفتح هذه المؤشرات المجال أمام تفسيرين متوازيين: الأول أن القيادة الإيرانية تعيد حساباتها تحت ضغط الواقع، في ظل اقتصاد متعثر وتململ اجتماعي متصاعد قد يتحول إلى احتجاجات واسعة، ما يجعل تفادي مواجهة عسكرية أولوية استراتيجية. أما التفسير الثاني فيرى أن الخطاب المرن قد يكون تكتيكاً تفاوضياً لشراء الوقت وتهدئة الضغوط إلى حين تبدل موازين القوى أو اتضاح المشهد الدولي.
ويعزز التاريخ التفاوضي بين الطرفين الفرضية الثانية لدى بعض المراقبين، إذ اعتادت طهران استخدام لغة الانفتاح في اللحظات الحرجة، خصوصاً عندما يتزامن الضغط الخارجي مع تحديات داخلية. كما أن اقتصار المحادثات الحالية على قنوات ثنائية بوساطة سلطنة عمان، بدلاً من إطار متعدد الأطراف، قد يمنحها هامشاً أوسع للمناورة والمساومة.
وتعزز زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى جنيف للقاء مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومسؤولين آخرين الانطباع بأن طهران تحاول إظهار جدية دبلوماسية في توقيت حساس، لكنها في الوقت ذاته تواصل التأكيد على حقها في التخصيب بوصفه خطاً أحمر سيادياً. هذا الجمع بين الانفتاح والتمسك بالمواقف الأساسية يعكس أسلوب تفاوض يسعى إلى تحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات جوهرية.
ويبقى البعد العسكري عاملاً ضاغطاً في تفسير هذا السلوك، فقد سبق لإسرائيل أن شاركت في ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فيما تشير تقارير إلى تنسيق أميركي إسرائيلي عقب لقاء جمع ترامب برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ومجرد التلويح بإمكانية تكرار مثل هذه العمليات يخلق بيئة ردع تدفع طهران إلى إظهار قدر محسوب من الليونة لتجنب سيناريو التصعيد.
وتحمل التصريحات الإيرانية وجهين محتملين، الأول يعكس قراءة واقعية لموازين القوى وسعياً إلى تسوية تقلل الخسائر الاقتصادية وتبعد شبح المواجهة. والثاني يشير إلى مناورة سياسية هدفها تخفيف الضغوط مؤقتاً من دون تغيير جوهري في المواقف. وسيعتمد ترجيح أحد الاحتمالين على نتائج محادثات جنيف ومدى استعداد واشنطن لتقديم حوافز اقتصادية ملموسة مقابل خطوات نووية قابلة للتحقق.
وحتى تتضح الصورة، تبدو طهران كمن يسير فوق خيط رفيع مشدود بين عاصفتين، تحاول الحفاظ على توازن بين ضرورات الداخل وحسابات الخارج. وفي السياسة الدولية، هذا النوع من التوازن ليس مجرد خيار تفاوضي، بل معادلة بقاء تُدار بدقة الساعات السويسرية.