تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران: العراق على حافة النار

نجاح بغداد في تحييد أراضيها عن الصراع سيعزز موقعها الإقليمي ويمنحها هامش مناورة أوسع.

لم تعد الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع طويل، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يهدد بإعادة تشكيل معادلات الردع في الشرق الأوسط، فبين لحظة القصف الأولى وتصاعد ردود الفعل، دخلت المنطقة مرحلة غموض استراتيجي قد تتسع دوائره بسرعة، خصوصاً إذا انزلقت الأطراف إلى مواجهة مفتوحة.

جاء التصعيد بعد فترة من الجمود في المسار التفاوضي المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وسط تبادل اتهامات بشأن تطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة بعيدة المدى. وبرّرت واشنطن وتل أبيب الضربات بأنها استباقية وتهدف إلى منع تهديد وشيك، فيما اعتبرتها طهران اعتداءً مباشراً على سيادتها وأمنها القومي. وبين الروايتين، يقف الإقليم بأكمله أمام اختبار دقيق لتوازناته الهشة.

تشير المعطيات الأولية إلى أن الضربات استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية مرتبطة ببرامج تسليحية حساسة، يُعتقد أن بعضها على صلة بالحرس الثوري الإيراني. كما انتشرت تكهنات حول مصير شخصيات قيادية، من بينها المرشد الأعلى علي خامنئي، غير أن غياب تأكيدات رسمية واضحة في الساعات الأولى زاد منسوب التوتر وأبقى باب الاحتمالات مفتوحاً.

غير أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في حجم الضربة، بل في طبيعة الرد، فإيران لا تعتمد على قدراتها العسكرية التقليدية فحسب، بل تمتلك شبكة تحالفات إقليمية تمتد عبر عدة ساحات. وقد يكون الرد مباشراً عبر الصواريخ أو المسيّرات، أو غير مباشر من خلال حلفاء في ساحات متعددة، ما يوسّع رقعة الاشتباك ويجعل احتواءه أكثر تعقيداً.

هنا تحديداً يبرز اسم العراق بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في معادلة التصعيد، فالعراق يقف جغرافياً وسياسياً بين خطوط النار، ويستضيف قوات أميركية ضمن مهام تدريبية واستشارية، فيما توجد على أراضيه فصائل مسلحة تعلن انتماءها إلى محور تقوده طهران. وهذا التداخل يجعل من العراق ساحة محتملة لأي رد غير مباشر، ويضع الدولة العراقية أمام معادلة صعبة: كيف تحمي سيادتها من دون أن تنجرّ إلى صراع لا تملك قرار اندلاعه؟

إن دخول الفصائل المسلحة على خطوط المواجهة يحمل مخاطر جسيمة. فأي استهداف لمصالح أميركية من داخل الأراضي العراقية قد يعرّض البلاد لضربات انتقامية، ويضعف سلطة الدولة المركزية، ويعمّق الانقسام الداخلي بين قوى تدعو إلى التهدئة وأخرى ترى في المواجهة التزاماً سياسياً وعقائدياً. وفي ظل هشاشة التوازنات الأمنية، قد يتحول أي تصعيد محدود إلى موجة اضطراب أوسع تعيد مشاهد القلق التي عرفها العراقيون في سنوات سابقة.

اقتصادياً، ليست الصورة أقل تعقيداً. فصحيح أن ارتفاع أسعار النفط، إن حدث، قد يمنح الخزينة العراقية متنفساً مالياً مؤقتاً، لكن أي اضطراب أمني واسع قد يهدد البنية التحتية النفطية والاستثمار الأجنبي، فضلاً عن تأثيره المباشر في الاستقرار الاجتماعي والخدمات العامة. وتشير التجارب السابقة إلى أن كلفة الانفلات الأمني غالباً ما تتجاوز المكاسب الظرفية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

إقليمياً، تتراوح السيناريوهات بين احتواء سريع يعيد الأطراف إلى قواعد اشتباك غير معلنة، وتصعيد متدرج يفتح جبهات متعددة. وانهيار تلك القواعد قد يعني انتقال المنطقة من "حرب الظل" إلى مواجهة مكشوفة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الملاحة البحرية، وأسواق الطاقة، واستقرار دول الجوار.

يقف العراق اليوم أمام اختبار سيادي حقيقي، فالمعادلة لا تتعلق فقط بتوازن العلاقات مع واشنطن أو طهران، بل بقدرة الدولة على فرض قرارها الداخلي وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية. ونجاح بغداد في تحييد أراضيها عن الصراع سيعزز موقعها الإقليمي ويمنحها هامش مناورة أوسع. أما الفشل في ذلك، فقد يجعلها مرة أخرى ساحة صراع بالوكالة تدفع ثمنه من أمنها واستقرارها ووحدتها الوطنية.

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس المخاطر بعدد الصواريخ فقط، بل بمدى قدرة الدول على إدارة التوتر ومنع تحوله إلى حرب شاملة. وبين الدبلوماسية والمدافع تبقى المنطقة معلّقة على خيط رفيع. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ينجح العقل السياسي في كبح اندفاعة التصعيد، أم أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ والنار معاً؟

خاتمة: لحظة مفصلية

الضربات الأخيرة ليست مجرد عملية عسكرية عابرة، بل قد تكون نقطة تحول في معادلة الردع الإقليمي. والسؤال المطروح اليوم لا يقتصر على نتائج المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل يشمل أيضاً قدرة دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، على منع تحول أراضيها إلى ساحة صراع مفتوح.

يقف العراق أمام اختبار سيادي صعب: إما أن ينجح في تثبيت سياسة النأي بالنفس وضبط الفصائل ضمن إطار الدولة، أو يجد نفسه في قلب مواجهة تتجاوز قدرته على التحكم بمساراتها.

وفي ظل هشاشة التوازنات الإقليمية، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، من احتواء سريع يعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض، إلى تصعيد قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.