توهّج العامية في رواية 'الماجدية'

كاظم أبو جويدة يبرع في توظيف العامية المدينية بذكاء لتعزيز الواقعية وتمرير نقد ثقافي عميق، متجاوزا الجدل التقليدي حول ثنائية الفصحى والعامية في الأدب.

لا يخفى على الجميع الخلاف القائم بين المشتغلين في فنون الكتابة الأدبية فيما يخص لغة التدوين.. حبث هنالك المتعصبون للغة الفصحى يقابلهم من لا يجد مثلبة في تضمين النصوص شيئا من العامية وخصوصا في حوار الشخصيات.

أنصار العامية يبررون بأنها الأنسب لإضفاء الواقعية وتقريب الشخصيات من القارئ، وتسهيل الفهم، وإن كان هناك جدل مستمر بين من يراها أساسية لتصوير الواقع ومن يرى ان الفصحى قادرة على ذلك وتضمن خلود الأدب واستمراريته عبر الأجيال، مع الإقرار بأهمية العامية في بعض السياقات الأدبية لخدمة النص.

نتذكر هنا مقولة الكاتب توفيق الحكيم حيث يصرح " في رواياتي ومسرحياتي لا أستطيع أن أجعل العتال أو الفراش أو سائق التاكسي يتكلمون الفصحى، لأن اللغة العامية هي اللغة الطبيعية بالنسبة لهم، فإذا جعلتهم يتكلمون الفصحى، سأخلق جوا مصطنعا".

في رواية الماجدية أحسن مؤلفها الاديب كاظم ابو جويدة توظيف المفردات والجمل العامية بشكل ذكي وأنيق.

وما يلاحظ على العامية التي وردت في ثنايا الرواية انها عامية مدينية بمعنى انها اللهجة المحكية من لدن سكان المدينة ( الحضر ) وليست عامية الأرياف والمناطق النائية حيث يصعب على المتلقي فهم معاني بعض مفرداتها المغرقة في محليتها وفضائها الاجتماعي .. وهذا ما عبناه على رواية قلعة طاهر للقاص حسن السلمان الذي اضطر الى إدراج فهرسة بتلك المفردات و معانيها لتمكين القارئ من استيعاب وفهم ما سطره بالعامية.

ابو جويدة لا يتعامل مع المفردة العامية ضمن إطارها الجغرافي / بمعنى التقوقع ضمن حدود إطارها ودلالتها / بل يوظفها لحفر المعنى الذي يروم إيصاله للمتلقي، فلو تبصرنا بشتيمة بائعة السمك للمتظاهرين بلهجتها الدارجة ( عِمى ..عمى) سنراها أبعد وأشد تأثيرا مما لو كتبها المؤلف بالفصحى.

 وهنا بإمكاننا فحص هذه الكلمة المكررة بمجهر النقد الثقافي لندع سياقها الظاهر الدال على دوس المتظاهرين على بضاعة بائعة السمك جانبا ونتمعن في  نسقها المضمر الذي يحيل الى ازاحة لفظية تشير الى العمى الفكري وانحراف وعي القطيع في هيجانه الفوضوي وهو يؤله كل صنم جديد يتبوأ سدة الحكم مسدلا ستارا من يقينيات السذج على باصرته متباهيا بمشاركته الفاعلة في خلق الطغاة، قبل ان يدرك أخيرا ومتأخرا جدا مدى حماقته وفداحة ما ارتكبه من خطيئة لا تغتفر.

اللافت في رواية الماجدية إضافة لتوظيف اللهجة العامية، براعة المؤلف في مزاوجتها مع اللغة الفصحى في جوانب من حوارات الشخصيات وانفعالاتها وفي وصف أزمنة وبيئة الحكاية.

قراءتنا لرواية الماجدية تبين بشكل لا لبس فيه قدرة المؤلف واكتناز قاموسه اللغوي بما يمكنه من استخدام اللغة الفصحى ما يؤكد ان استخدامه لشذرات من العامية في ثنايا السرد جاء لإيمانه بقدرتها على توصيل صورة دقيقة وجلية للمتلقي.

ملاحظة أخيرة

قد يؤاخذ البعض الروائي في استخدامه للمفردات الخادشة للحياء ولكني أراه وهو يسعى لتوظيف تفاصيل الحياة اليومية بواقعية مفرطة يحاول تقديم لوحة سردية حية نابضة بمصداقيتها.