جامعات ايران تنتفض وسط غليان شعبي

الطلبة يرفعون شعارات مناهضة للحكومة، مما يعكس هوة سحيقة بين وعود "الوفاق الوطني" التي أطلقها بزشكيان والواقع الميداني.

طهران – عادت الجامعات الإيرانية لتتصدر المشهد السياسي كساحة رئيسية للصراع، في تطور يكسر حالة الهدوء الحذر التي حاولت حكومة مسعود بزشكيان إرساءها. هذا الحراك المتصاعد لا يستمد أهميته فقط من رمزية "الحرم الجامعي" كمهد للتغيير التاريخي في إيران، بل من توقيته الحرج؛ حيث تجد السلطة التنفيذية نفسها محاصرة بين الشارع الطلابي الذي يتجاوز سقف مطالبه الإصلاح، والبرلمان المتشدد الذي يتحين الفرص للإطاحة بوزراء بزشكيان.

ولليوم الثالث على التوالي، تحولت جامعات النخبة في طهران وأصفهان إلى بؤر للتوتر. وبحسب وكالة أنباء العمال الإيرانية "إيلنا"، لم تقتصر المظاهرات على جامعة "طهران" العريقة، بل امتدت لتشمل "أمير كبير" و"صنعتي شريف" و"العلم والثقافة"، وصولاً إلى "صنعتي أصفهان".

وما يميز هذه الموجة هو سرعة تحول الشعارات؛ فبينما كانت الشرارة التي انطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2025 مرتبطة بانهيار قيمة الريال وتفاقم الأزمة المعيشية، رفعت احتجاجات الاثنين سقف التحدي برفع شعارات مناهضة للهيكل السياسي للحكومة، مما يعكس هوة سحيقة بين وعود "الوفاق الوطني" التي أطلقها بزشكيان والواقع الميداني.

وعلى مقلب آخر، لم يتأخر التيار المتشدد في البرلمان عن استثمار الغضب الطلابي لخدمة أجندته السياسية. فقد شن النائب أمير حسين ثابتي هجوماً لاذعاً من تحت قبة مجلس الشورى الإسلامي، ملوحاً بورقة الاستجواب وإقالة وزير العلوم والبحث والتكنولوجيا، حسين سيمائي صراف.

واعتبر ثابتي أن شعارات الطلاب و"حرق العلم" هي نتاج مباشر لما وصفه بـ"السياسات الخاطئة" و"التساهل" مع التيارات النافذة داخل الجامعات.

ولم يتقوقف الهجوم عند الوزير، بل طال الرئيس بزشكيان مباشرة، في محاولة لوصم حكومته بالعجز عن ضبط "الأمن الأيديولوجي" للمؤسسات التعليمية.

ورصدت التقارير وقوع مشادات بين الطلاب أنفسهم، مما يشير إلى حالة "استقطاب حاد" داخل الحرم الجامعي بين تيار يطالب بالتغيير الجذري وآخر يدافع عن مبادئ الجمهورية الإسلامية.

وتأتي هذه الأحداث كـ"هزة ارتدادية" لانتفاضة ديسمبر /كانون الأول2025، التي اندلعت بسبب التدهور الاقتصادي الحاد. ورغم أن بزشكيان حاول احتواء الموقف آنذاك باعترافه بمشروعية السخط الشعبي ووعده بالإصلاح، إلا أن عودة الطلاب إلى الشارع في فبراير/شباط الجاري تشير إلى أن "حقنة التخدير" الاقتصادية قد انتهى مفعولها، وأن الأزمة تحولت من "مطلبية معيشية" إلى "أزمة شرعية سياسية" في نظر جيل الشباب.

إن استمرار التظاهر في جامعات تقنية وعلمية كبرى، مثل "صنعتي شريف"، يعني أن الاحتجاج لم يعد محصوراً في الطبقات المسحوقة اقتصادياً، بل انتقل إلى "عقل الدولة" ونخبتها المستقبلية. يضع هذا المشهد بزشكيان أمام خيارين أحلاهما مر إما اللجوء للقبضة الأمنية لإرضاء البرلمان والمتشددين، وهو ما يعني رصاصة الرحمة على وعوده الانتخابية بالانفتاح وإما الاستمرار في سياسة "ضبط النفس" مما قد يكلفه خسارة وزرائه واحداً تلو الآخر في معارك الاستجواب البرلمانية، ويظهره بمظهر الرئيس الضعيف.

خلاصة القول إن إيران تعيش حالة من "السيولة السياسية"؛ حيث لم يعد الصراع مجرد تدافع على أسعار الصرف، بل هو صراع على هوية الدولة وطريقة إدارتها في مرحلة ما بعد "وعود الإصلاح".