جنيف: تحول نوعي في مسار الصحراء

التكتل الأوروبي ينظر لمبادرة الحكم الذاتي كأرضية عملية وواقعية لتسوية نزاع الصحراء المفتعل.

في لحظة دبلوماسية ذات دلالة عميقة، برز في جنيف موقف جماعي لأربعين دولة أعاد تثبيت النقاش حول الصحراء في إطاره السياسي الأممي الصحيح: نزاع إقليمي يعالجه مجلس الأمن، لا ملفًا يُستدرج إلى ساحات التوظيف الحقوقي أو المناورات الظرفية. هذا التطور لا يعكس مجرد دعم عابر، بل يؤشر إلى تحوّل متدرج في هندسة المواقف الدولية، عنوانه الواقعية السياسية وتغليب الحلول الممكنة على الشعارات المؤجلة.

خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، جاء التأكيد واضحًا على أن السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية للمملكة يُنظر إليها من قبل هذا التكتل باعتبارها مرجعية للحل، وأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أرضية عملية وواقعية للتسوية. أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في السياق الذي صدر فيه: مجلس يُعنى بالحقوق، لكنه يُذكَّر بأن هذا النزاع سياسي بالأساس، وأن مجلس الأمن هو الإطار الحصري لرعايته.

هنا تتجلى نقطة مفصلية في البيان: التنبيه إلى ضرورة الحفاظ على الطابع الثنائي لتفاعل الدول مع آليات المجلس والمفوضية السامية، وصون هذه المنظومة من أي "أدواتية" سياسية. إنها رسالة مزدوجة؛ الأولى موجهة إلى من يسعى إلى نقل النزاع من مساره السياسي إلى فضاء الاتهام الحقوقي، والثانية تؤكد أن الشرعية الأممية لا تُبنى عبر الانتقاء أو التسييس، بل عبر احترام الاختصاصات وتكامل الأدوار داخل منظومة الأمم المتحدة.

الأهم من ذلك أن الإشارة الصريحة إلى قرار مجلس الأمن 2797 تعيد توجيه البوصلة نحو جوهر العملية السياسية: استئناف المفاوضات بين الأطراف الأربعة المعنية، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل نهائي ومتوافق عليه. هنا يظهر التحول النوعي في الخطاب الدولي؛ فالمسألة لم تعد تُقارب من زاوية "تقرير مصير" بصيغته النظرية الجامدة، بل من زاوية "حل سياسي واقعي ودائم" كما يكرس ذلك أدبيات مجلس الأمن في قراراته المتتالية.

في المقابل، لم يغب البعد الحقوقي عن المشهد، لكن بصيغة مختلفة: إشادة بالتفاعل المغربي مع آليات حقوق الإنسان، وزيارات الإجراءات الخاصة إلى مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية. هذه الإشارة تحمل دلالتين: أولًا، أن مقاربة الرباط الحقوقية باتت جزءًا من سرديتها الدولية، وثانيًا، أن النقاش حول الصحراء لم يعد معزولًا عن مسار الإصلاح المؤسساتي والحقوقي الذي يشهده المغرب.

أما افتتاح قنصليات عامة في الداخلة والعيون، فقد تحوّل من حدث دبلوماسي رمزي إلى مؤشر استراتيجي على إعادة تشكيل الخريطة القنصلية في المنطقة. فالقنصلية ليست مجرد تمثيلية إدارية، بل إعلان اعتراف عملي بالسيادة، ورافعة لتعزيز الاستثمار والتعاون جنوب–جنوب، وإدماج الأقاليم الجنوبية في دينامية اقتصادية إقليمية وقارية.

في المحصلة، ما جرى في جنيف يتجاوز حدود بيان سياسي. إنه تعبير عن تبلور تيار دولي يربط بين الواقعية القانونية، والحل التوافقي، والتنمية كأفق نهائي. تسوية هذا النزاع، وفق هذا المنظور، لا تُختزل في إنهاء خلاف إقليمي، بل تُعد مدخلًا لإطلاق إمكانات الاندماج المغاربي، وتعزيز العمق الإفريقي، وتثبيت الاستقرار في فضاء تتقاطع فيه رهانات الأمن والتنمية.

لقد أصبح واضحًا أن الزمن الدبلوماسي يميل نحو الحلول القابلة للتنفيذ لا الشعارات المؤجلة. وفي هذا السياق، تبدو مبادرة الحكم الذاتي، كما يتنامى الاعتراف بها، ليست مجرد مقترح تفاوضي، بل إطارًا سياسيًا تتراكم حوله شرعية دولية متزايدة.