حروب وحروب
يشهد العالم حاليا أعلى مستويات النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية. إذ تشير التقارير إلى وجود صراعات نشطة في عديد من مناطق العالم، حيث تتورط فيها 92 دولة خارج حدودها، وتتركز بؤر التوتر في مناطق مثل فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، إثيوبيا، الصومال، أوكرانيا، روسيا، باكستان، وأفغانستان. وإضافة إلى ذلك، مع تصاعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، انخرطت دول جديدة بشكل مفاجئ في هذا الصراع، من بينها الأردن، الإمارات، السعودية، البحرين، قطر، وسلطنة عمان.
من ناحية أخرى، هناك أكثر من 130 نزاعا مسلحا غير نشط، موزعة عبر القارات الأفريقية، الآسيوية، وأميركا اللاتينية، وقد تكون على وشك الانفجار إذا تفاقمت الأوضاع على المستوى الدولي. وبهذه الحالة من الفوضى والصراعات المتعددة، يمكن القول إن العالم يمر اليوم بمرحلة من مراحل الحرب العالمية الثالثة، التي تمثل تحديات كبيرة على جميع الأصعدة السياسية، الاقتصادية، والأمنية.
المخطط الرهيب
لا شك أن من صنع النظام الإيراني هي أميركا ومن قررت نهايته اليوم هي أميركا أيضا. إلا أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن أميركا مكبلة بقيود العلاقات مع إسرائيل، وأن أي رئيس أميركي لا يصل إلى البيت الأبيض إلا بمباركة اللوبي الإسرائيلي. ومع ذلك، من الضروري فهم تطور العلاقة الأميركية الإسرائيلية في سياق أوسع، وهو تصاعد التيار اليميني المتطرف في إسرائيل وأميركا، المعروف بـ"الصهيومسيحية"، الذي أصبح اللاعب الأهم في صناعة القرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة، من خلال فرض سياسات تجاوزت القوانين والأعراف المحلية، وهو ما عبّر عنه المفكر الأميركي جيفري ساكس بقوله إن أميركا التي عرفناها في السابق انتهت، وقد تحولت اليوم إلى دولة استبدادية بلا منازع.
المخطط الرهيب الذي يتم تنفيذه اليوم لم يعد مقتصرا على مستوى المحلي الأميركي، بل يمتد ليشمل أبعادا إقليمية ودولية، حيث تشهد الساحة العالمية صراعا محتدما على ثروات الكرة الأرضية، بين التيار اليميني المتطرف من جهة، والعملاقين الصيني والروسي من جهة أخرى. ومن زاوية أخرى، يرى المفكر العربي عزمي بشارة أن الولايات المتحدة بحاجة إلى حليف لمواجهة الصين وروسيا، وأن أقرب حليف لها كان دائما أوروبا. إلا أن ترامب قلب الموازين، ورفض الاعتماد على أوروبا، وهو ما يفسر اليوم أن اللعبة الدولية تدار اليوم بين روسيا والصين وأميركا، بتقسيم العالم وتوزيع النفوذ على غرار مؤتمر يالطا عام 1945، حيث تتصارع القوى الكبرى على رسم ملامح النظام العالمي الجديد.
إيران والمفاجآت الكـبرى
لقد فوجئت الدول الكبرى، من أميركا وإسرائيل ودول الخليج، بل والعالم بأسره، بقدرات الرد الصاروخي التي أظهرتها إيران على خمس دول في آن واحد، في حين شن التحالف الذي تقوده إسرائيل وأميركا وبريطانيا وفرنسا ضربات استهدفت طهران، إلا أن معظم تفاصيل هذه العمليات لا تزال غير واضحة، باستثناء مقتل المرشد الإيراني وضرب منشأة أصفهان النووية، التي اعترفت بها الحكومة الإيرانية وأعربت عن مخاوف من تسرب إشعاعي من المنشأة. بالإضافة إلى ذلك، جاء تصريح ترامب عن احتمال إنزال بري وشيك في إيران، مما يوحي بوجود تعقيدات خفية في قواعد الاشتباك، وأن الأمور قد تتطول، وأن نتائجها قد تبقى غامضة.
الدروس المستفادة
إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية العرب كأمة عربية، فسنكتشف أن المتصارعين الحقيقيين ليسوا من أبناء المنطقة، بل إنهم يهود، فرس وأميركيين، ونحن كعرب، خارج حساباتهم، ومفعول بنا. في ظل هذه الاضطرابات والصراعات، من الحكمة أن نفكر فيما يوحدنا، وأن نسعى لطرد عوامل الفرقة التي تتربص بنا، سواء كانت من الداخل أو من الخارج، على المستويين الإقليمي والدولي. نحن اليوم، أمام وضع مفتوح، قد يهدد وجودنا وهويتنا، وإذا لم نتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فسنكون أمام مخاطر حقيقية تهدد كياننا. المسألة اليوم ليست فقط سياسية أو أمنية، بل هي مسألة وجودية، تتعلق بكياننا وهويتنا كعرب، ويجب أن يكون هذا الوعي حاضراً في كل تفكير وتحرك.