حزب الله وحلفاؤه يرفضون رفع الدعم عن الوقود
بيروت - ينفتح لبنان على مرحلة جديدة من الشدّ والجذب عنوانها قرار للبنك المركزي بإلغاء الدعم عن الوقود أو العجز عن الاستمرار في دعم أسعاره وهو قرار هاجمته حكومة تصريف الأعمال والكتلة البرلمانية لحزب الله وهو ملعب تُفضل الجماعة الشيعية المدعومة من إيران اللعب فيه على وقع أزمة مالية واقتصادية خانقة كانت قد وظفتها لجهة مصادرة قرار الدولة.
ورفض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يخضع لتحقيق في قضايا فساد مالي وتحويلات مشبوهة بالدولار تقدر بـ326 مليون دولار إلى حساباته وحسابات شقيقه في سويسرا، التراجع عن قراره قبل توفر قانون يسمح بالاستمرار في دعم المحروقات.
وبغض النظر عن وجاهة القرار من عدمه من الناحية المالية وبالنظر لتداعياته الاجتماعية، فإنه يشكل في توقيته ومضمونه فرصة لحزب الله لترميم شعبيته التي تضررت بشدة منذ احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 حين أعلن المحتجون لفظهم لكل منظومة الحكم ولنفوذ إيران في بلادهم.
ووجه الحزب بوصلته باتجاه الاستقطاب الشعبي منذ أشهر محاولا خلق هيكل مواز للدولة بإعلانه في ذروة أزمة الوقود والغذاء أنه سيستورد الوقود من إيران، فيما كان قد أعد مستودعات ضخمة لتخزين الغذاء في خطوة فسرتها مصادر سياسية بأنها استعداد للحظة الانهيار الشامل.
وقالت كتلة الوفاء للمقاومة التي تمثل حزب الله في بيان، إن قرار مصرف لبنان المركزي "مرفوض ويتعارض مع السياسات التي ينتهجها البرلمان والحكومة".
ودعت إلى توزيع بطاقات نقدية مدفوعة مسبقا على الفقراء قبل اتخاذ أي خطوة أخرى لرفع الدعم عن أي سلع أساسية أو تقليصه.
وأحدث قرار المصرف المركزي صدى واسعا في البلاد التي تمر بأزمة اقتصادية وسياسية عميقة وفاقم التوترات الاجتماعية المتصاعدة.
ومساء الأربعاء، أعلن المصرف توقفه كليا عن دعم استيراد الوقود، حيث سيقوم بداية من الخميس بتأمين الأموال اللازمة لاستيراده وفق سعر الدولار بالسوق.
ووفق دراسة أعدتها الشركة 'الدولية للمعلومات' (خاصة)، سيؤدي وقف الدعم إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود ويرتفع سعر صفيحة البنزين (20 لترا) من نحو 75 ألف ليرة إلى 336 ألفا في وقت يبلغ الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة.
وقالت الدراسة إن سعر صفيحة المازوت (ديزل) سيرتفع من 57 ألف ليرة إلى نحو 279 ألفا.
وكان المصرف يدعم استيراد الوقود بتأمين الدولار للمستوردين وفق سعر صرف يبلغ 3900 ليرة، بينما تخطى سعر صرفه بالسوق الموازية 20 ألف ليرة.
إلا أن تراجع احتياطي العملات الأجنبية لدى المصرف على وقع أزمة اقتصادية طاحنة منذ أواخر 2019، تسبب في عدم توفر النقد المخصص لهذه الغاية، ما انعكس منذ أشهر شحا في الوقود وسلع أساسية أخرى كالأدوية.
ورفع الدعم عن الوقود سيرفع أسعار سلع وخدمات أخرى تعتمد عليه في الإنتاج مثل المصانع والأفران الخاصة التي تستخدم الوقود لسد النقص بالتيار الكهربائي.
وعلى اثر موجة احتجاجات واسعة وانتقادات حزب الله للقرار، قال مصدر وزاري إن الحكومة اللبنانية ستناقش قانونا اليوم الخميس من شأنه أن يتيح للمصرف المركزي مواصلة دعم المحروقات بعد أن قرر البنك رفع الدعم الذي استنزف خزائنه.
وهاجمت الحكومة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بشأن القرار الذي أعلن في وقت متأخر أمس الأربعاء ووصفته بأنه تحرك أحادي ستكون له عواقب وخيمة في الوقت الذي يعاني فيه لبنان تحت وطأة انهيار اقتصادي طاحن.
ودافع البنك المركزي عن قراره، قائلا إنه أبلغ الحكومة قبل عام بأنه سيحتاج لتشريع جديد لاستخدام الاحتياطي الإلزامي من العملة وهي الحصة من الودائع التي يلزم القانون الحفاظ عليها.
وقد يؤذن إلغاء الدعم ببداية مرحلة جديدة في الأزمة المالية التي أفقدت العملة اللبنانية أكثر من 90 بالمئة من قيمتها منذ 2019 ودفعت بأكثر من نصف سكان البلاد تحت خطر الفقر.
وفشلت النخبة الحاكمة في رسم مسار للخروج من الأزمة وهي الأسوأ منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 حتى مع نفاد إمدادات الوقود والأدوية.
ووفقا للمصدر الوزاري، فقد استدعى الرئيس ميشال عون الحاكم رياض سلامة إلى القصر الرئاسي لاجتماع رفض خلاله سلامة التراجع عن القرار، قائلا إن استخدام الاحتياطي الإلزامي يتطلب تشريعا.
وأضاف المصدر أنه سيجري بحث تلك المسألة خلال اجتماع طارئ لحكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب.
وقال دياب إنه يعارض رفع الدعم قبل طرح بديل وإنه يجري تحقيق تقدم صوب طرح البطاقات التمويلية للفقراء وإن القرار كان يمكن أن ينتظر لحين الطرح.
وقال على تويتر إن القرار "مخالف للقانون وكذلك لا يراعي واقع الأزمة المعيشية والاجتماعية العميقة وستكون تداعياته خطيرة جدا على البلد وأضراره أكبر بكثير من منافع حماية التوظيفات الإلزامية في مصرف لبنان، لأنه يدخل البلد في المجهول الاجتماعي والمعيشي".
ومنذ بداية الأزمة، يستخدم المصرف المركزي احتياطياته الدولارية لتمويل واردات الوقود بأسعار الصرف الرسمية التي تقل كثيرا عن سعر تداول الدولار في السوق الموازية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الاحتياطي. ويكلف دعم الوقود نحو ثلاثة مليارات دولارات سنويا.
وقال البنك المركزي "على الرغم من أن مصرف لبنان قد دفع ما يفوق 800 مليون دولار للمحروقات في الشهر الماضي وأن فاتورة الأدوية وغيرها من المواد الضرورية قد تضاعفت، فلا تزال كل هذه المواد مفقودة من السوق وتباع بأسعار تفوق قيمتها".
وتابع أن هذا "يثبت ضرورة الانتقال من دعم السلع التي يستفيد منها التاجر والمحتكر إلى دعم المواطن مباشرة وهو الأمر الذي يحفظ كرامة المواطنين في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد".
ووصف جبران باسيل زعيم حزب التيار الوطني الحر الذي أسسه عون وصهره، التحرك بأنه مفاجئ و"أحادي" وحث أنصاره على الاستعداد للحشد، لكن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط قال إنه ينبغي رفع الدعم لأن السلع المدعمة تُهرب إلى سوريا وحذر من أن الاحتياطي سينفد في نهاية المطاف.
وأعلن البنك المركزي في ساعة متأخرة من مساء أمس الأربعاء أنه سيوفر تأمين الاعتمادات اللازمة لواردات المحروقات على أساس سعر السوق لليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي وليس على أساس السعر المدعم وقال إنه سيسري اعتبارا من الخميس.
وقالت مديرية النفط إن أسعار الوقود التي صدرت أمس الأربعاء لا تزال سارية وملزمة للموزعين.
ومن المتوقع أن يزيد سعر البنزين 95 من دون الدعم بأكثر من أربعة أمثال سعره السابق في جدول أوردته إحدى القنوات اللبنانية أمس الأربعاء.
ورغم أن الارتفاع الحاد في الأسعار سيجعل الوقود أبعد من متناول الأعداد المتزايدة من فقراء لبنان، يقول بعض الاقتصاديين إنه ينبغي التخفيف من النقص الشديد في الوقود لأولئك الذين يستطيعون الدفع عن طريق إزالة الحافز على التهريب والتخزين.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ المصرف إتاحة خطوط ائتمان للوقود بسعر 3900 ليرة للدولار، وهو أعلى من السعر الرسمي البالغ 1500 ليرة لكنه ما زال منخفضا كثيرا عن سعر السوق الموازية الذي بلغ نحو 20 ألف ليرة في السوق الموازية أمس الأربعاء.
وانخفض احتياطي المصرف المركزي من 40 مليار دولار في 2016 إلى 15 مليار دولار في مارس/آذار. ويكلف دعم الوقود ثلاثة مليارات دولار سنويا.