حين يتكلم الخليج بصوت واحد: الصحراء المغربية

التأكيد المتجدد يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن قضية الصحراء لم تعد مجرد ملف حدودي، بل تحولت إلى اختبار لمصداقية النظام الإقليمي وقدرته على حماية استقرار الدول ووحدة أراضيها.

في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتقلب موازين القوى وتكاثر بؤر النزاعات، يكتسب تجديد مجلس التعاون لدول الخليج العربية دعمه الصريح لمغربية الصحراء دلالة تتجاوز مجرد بيان دبلوماسي عابر. إنه تأكيد سياسي واستراتيجي على ثبات تحالف عربي يرى في وحدة المغرب الترابية جزءاً من منظومة أوسع للأمن والاستقرار في الفضاء العربي.

فخلال الاجتماع الوزاري المشترك الثامن بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، جاء الموقف واضحاً وحاسماً: دعم لا لبس فيه لسيادة المغرب على صحرائه، وتأييد صريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الواقعي والجاد لتسوية هذا النزاع الإقليمي.

هذا التأكيد المتجدد يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن قضية الصحراء لم تعد مجرد ملف حدودي، بل تحولت إلى اختبار لمصداقية النظام الإقليمي وقدرته على حماية استقرار الدول ووحدة أراضيها.

في السياق الدولي الراهن، يكتسب هذا الموقف أهمية إضافية، فالدعم الخليجي لمغربية الصحراء يأتي في لحظة تشهد فيها المقاربة الأممية للنزاع تحولا تدريجياً نحو الواقعية السياسية. القرارات المتتالية لمجلس الأمن لم تعد تتحدث عن حلول نظرية أو مشاريع متجاوزة، بل تركز بشكل متزايد على الحلول العملية ذات القابلية للتنفيذ، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الخليجي لا يكتفي بإسناد دبلوماسي للمغرب، بل ينسجم مع الاتجاه العام الذي بدأ يتشكل داخل المجتمع الدولي: الاعتراف بأن تسوية النزاع تمر عبر صيغة سياسية واقعية تحافظ على سيادة المغرب وتوفر في الوقت نفسه إطاراً متقدماً لتدبير الشؤون المحلية في الأقاليم الجنوبية.

لكن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في بعده القانوني أو الأممي، بل أيضاً في عمقه الاستراتيجي. فالعلاقات المغربية-الخليجية لم تكن يوماً علاقات ظرفية أو محكومة بحسابات ضيقة، بل تأسست على رؤية مشتركة للأمن الإقليمي والتضامن بين الدول العربية في مواجهة التحديات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الفوضى الجيوسياسية.

من هنا، يصبح دعم مجلس التعاون لمغربية الصحراء امتداداً طبيعياً لهذه الشراكة الاستراتيجية. فاستقرار المغرب ووحدة أراضيه يشكلان، في المنظور الخليجي، جزءاً من معادلة الاستقرار العربي الأوسع. والعكس صحيح أيضاً: قوة التحالفات العربية المعتدلة تمنح المغرب عمقاً استراتيجياً يعزز موقعه الإقليمي والدولي.

ولعل ما يميز الموقف الخليجي اليوم هو طابعه الجماعي الواضح. فحين يتحدث مجلس التعاون بصوت واحد، فإنه يبعث برسالة سياسية قوية مفادها أن قضية الصحراء لم تعد موضوعاً قابلاً للمساومة أو التوظيف، بل باتت تحظى بإجماع عربي متنامٍ يرى في المبادرة المغربية الطريق الأكثر جدية وواقعية نحو الحل.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الدعم المتجدد إلا باعتباره جزءاً من دينامية دولية أوسع تتجه تدريجياً نحو تثبيت مقاربة سياسية واقعية للنزاع. وبينما تتغير المواقف الدولية تباعاً، يبدو أن التحالف المغربي-الخليجي يواصل ترسيخ نفسه كأحد أعمدة هذا التحول.

في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل التوازنات، تبقى الرسالة الخليجية واضحة: استقرار الدول ووحدة أراضيها ليسا مجرد شعارات دبلوماسية، بل خط أحمر يحدد مستقبل المنطقة بأسرها.