خالد غازي يفند إشكاليات الإعلام البديل في 'صناعة الكذب'
شهد الإعلام في الآونة الأخيرة تطورًا هائلًا، حيث تعددت وسائله وأشكاله، نظرًا لثورة التكنولوجيا التي يشهدها عصرنا الحالي، والتي ساهمت فيها شبكة الإنترنت بما تتميز به من آنية وسرعة في نقل المعلومات، حتى أصبح بإمكان كل من يمتلك هاتفًا ذكيًا أن يكون صحفيًا، بل صانعًا للأحداث أحيانًا، فنشأ مصطلح "صحافة المواطن"، والذي يشير إلى أن بإمكان أي شخص أن ينقل رأيه ومشاهداته للعالم، دون الحاجة لأن يحمل شهادة في الإعلام، أو أن ينتمي إلى مؤسسة إعلامية، وذلك من خلال صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن مهنة الصحافة لم تندثر بشكلها التقليدي تمامًا، حيث إن الأخبار التي يصنعها المواطن غالبًا ما تفتقر إلى الدقة والمهنية.
من هذا المنطلق، يناقش د. خالد محمد غازي في كتابه "صناعة الكذب"، الصادر عن وكالة الصحافة العربية، إشكاليات وسائل الإعلام البديل، بما لها وما عليها، وذلك في 19 فصلًا، حيث يستعرض في الفصول الثلاثة الأولى أهم المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالإعلام والاتصال، ثم يتناول في باقي الفصول مفهوم الإعلام الجديد وتحدياته، ومخاطره على المجتمع، ومحاولات التعايش بين شكلي الإعلام التقليدي والجديد، بينما يدور الفصل الأخير حول الأخلاقيات المهنية المفروضة على الإعلام.
الحرية الافتراضية
ويرى غازي أن الإعلام بشكله الجديد سمح للفرد العادي بتوصيل رسالته إلى من يريد، في الوقت الذي يريد، وبطريقة واسعة الاتجاهات، وليس من أعلى إلى أسفل وفق النموذج الاتصالي التقليدي، الذي يعتمد على تلقين الأخبار للجمهور، مفتقدًا للتفاعلية التي تُعد من أهم مميزات الإعلام الجديد، بالإضافة إلى الحرية التي يتمتع بها، فلا رقابة في العالم الافتراضي سوى الرقابة الذاتية.
ومن ناحية أخرى، أدى الإعلام الجديد إلى ظهور إشكالية المعلومات المغلوطة التي يتم نشرها من قِبل المستخدمين، كما جعل تشكيل الوعي والثقافة في أزمة، حيث إننا لا نستطيع حسم الجدل الدائر بشأن تأثير تعدد الآراء على تكوين وعي الأفراد، أم أن الأيديولوجيات المعتنقة لدى الأفراد هي التي توجههم، وبالتالي قد تخلق المشاركة بمواد اتصالية معينة وأطروحات أخرى مزيدًا من التناقضات الفكرية.
وصوّر المؤلف وسائل الإعلام التقليدي بالأسوار المحصنة التي تبنيها الإمبراطوريات القديمة حول المدن لحمايتها من هجمات الأعداء، إذ تسعى وسائل الإعلام التقليدية إلى السيطرة على عقول الناس، وصنع توجهاتهم، وتشكيل الرأي العام، وهو ما تؤكده نظرية "الطلقة السحرية" لهارولد لازويل، والتي تنص على أن تأثير الرسالة الإعلامية كالطلقة النارية التي إذا صُوِّبت بشكل دقيق لا تخطئ الهدف مهما كانت دفاعاته، كما سميت بنظرية "الحقنة تحت الجلد"، إذ شُبِّهت الرسالة هنا بالمحلول الذي يُحقن به الوريد، ويصل في ظرف لحظات إلى كل أطراف الجسم عبر الدورة الدموية، ويكون تأثيره قويًا ولا يمكن الخلاص منه.
إلا أن هذه الحصون لم تعد قادرة على الصمود أمام الثورة الهائلة في عالم الاتصالات، فقد سحبت وسائل الإعلام الجديد البساط من تحت هذه الإمبراطوريات الإعلامية الكبيرة شيئًا فشيئًا، فاضطرت إلى أن تتعامل مع هذا المتغير الجديد، حيث طرأت بعض المستجدات على أنماط ورسائل الاتصال الجماهيري التقليدي، سواء الإعلام الرسمي أو الخاص، شملت اللغة والمحتوى، كما حاولت توظيف وسائل الاتصال الجديدة في خدمة مؤسساتها، وبالتالي أثّرت على القدرة على الاحتواء والتوجيه، بما في ذلك قوانين المطبوعات والنشر، كما أثّرت على مدى وسرعة انتشار وسائل الإعلام ورسائلها، في محاولة لتحسين العلاقات مع الجمهور.
وفي هذا الصدد، ساق لنا الكتاب أمثلة، منها ما حدث عام 2011، حيث شهدنا كيف أن التغييرات بدأت في القاهرة مثلًا من ميدان التحرير، ومهّدت لها أجهزة الهاتف المحمول الذكية، كذلك الإعلام القديم كان قد بدأ يتداعى في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية، وما تلاها من هجرة الصحافة المطبوعة الخاصة إلى لندن وباريس، لتتخلص من قيود القوانين والممارسات الرسمية وحتى المجتمعية، مع أن بعضها كان يُموَّل ليكون جزءًا من موروث الحروب الإعلامية والسياسية على الجبهة العربية.
تحت مجهر المصداقية
ويعقد د. خالد غازي مقارنة بين رؤية أنصار الإعلام التقليدي وأنصار الإعلام الجديد، حيث يرى الفريق الأول أن الإعلام الجديد سيصبح قديمًا بمرور الوقت، في حين أن نظيره التقليدي ما زال يمتلك القدرة والشهرة والخبرة، ويعتقد أن هناك مبالغة كبيرة في دور الإعلام الجديد في التأثير على العملية السياسية في العالم العربي، كما أن الإعلام الجديد سيظل متأثرًا بشكل كبير بالإعلاميين التقليديين المحترفين، الذين اتجهوا إلى استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية للتواصل مع جمهورهم بطرق جديدة لا يمكن تجاهلها.
ولعل النقطة الأهم التي يستند إليها هذا الفريق في دفاعه عن وجهة نظره، ما يتعلق بمصداقية وسائل الإعلام التقليدي، التي ستظل هي الأعلى، نظرًا للمهنية التي يمتاز بها العاملون فيها، بالإضافة إلى أنها تحت المجهر، وهي الوسيلة التي يتابعها أصحاب القرار والنخب السياسية، عكس الإعلام الجديد الذي يعاني من الغرق المعلوماتي.
أما الفريق الثاني، فيرى أن الإعلام غيّر أدواته ولن يعود لما كان عليه في السابق، خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي صرفت الجمهور العربي عن الإعلام الرسمي، حيث حررته من القيود التي عانى منها منذ عقود طويلة، ومن المتوقع أن يزداد تأثير الثورات تدريجيًا، كما أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية وسيلة قوية للدفاع عن حرية الصحافة، وعن الحريات عامة، مثلما أصبحت تمثل السلطة الخامسة، خاصة بعدما عجزت وسائل الإعلام التقليدية عن لعب دورها، ليحل محلها "إعلام الفقراء" و"الإعلام المتحرر"، كما أطلقوا عليه، والذي يعبر من خلاله المواطن دون المرور بمقص الرقيب، وسيلعب دورًا حاسمًا بعيدًا عن سطوة سلطة المال.
وإجمالًا، لا يمكننا تجاهل المكانة التي يتبوأها الإعلام البديل اليوم، بعد أن استطاع أن يجذب قطاعًا عريضًا من الجمهور بمختلف خصائصه، وذلك لما تتمتع به قنواته، الممثلة في المدونات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، من مزايا لعلّ أهمها الآنية والتفاعلية وسهولة الاستخدام والوصول، إلا أن ذلك لا يضمن استقلاليته التامة، إذ إن كثيرًا من المنظمات السياسية والاجتماعية أصبحت تتبنى هذا النوع من الإعلام لنشر أيديولوجيتها.
وبالرغم من أن الإعلام التقليدي بات مهددًا بفقدان سطوته على الجمهور، فإنه لا يزال قادرًا على النهوض من جديد وممارسة دوره في المجتمع، إذا استطاع أن يستغل الثورة التكنولوجية الهائلة لصالحه، وأن يتخلى عن أساليبه التقليدية في صناعة محتواه ومخاطبة الجمهور.