دراما الواقع تسبق 'البروفات' في الساحة الفنية اللبنانية
بيروت ـ في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد حالة القلق العام في عدد من دول المنطقة، يمرّ المشهد الفني في لبنان بمرحلة استثنائية من الهدوء القسري، حيث اختار عدد من نجوم الغناء والفن تعليق أو تأجيل نشاطاتهم الفنية، في خطوة تعكس تداخل الحالة الثقافية مع الواقع السياسي والإنساني الذي يعيشه البلد. وبينما كانت المسارح تستعد لاستقبال حفلات ومشاريع فنية جديدة، جاءت التطورات الأخيرة لتفرض إيقاعًا مختلفًا، أقرب إلى الصمت منه إلى الموسيقى.
هذا التوقف، وفق ما يراه متابعون للشأن الفني انعكاس مباشر لحالة الترقب التي تسيطر على الشارع اللبناني، حيث تتداخل مشاعر القلق مع التضامن الإنساني، وتتحول الأجندة الفنية إلى ملفات مؤجلة بانتظار استقرار الأوضاع. في هذا السياق، برزت سلسلة من المواقف الفردية لفنانين اختاروا التوقف المؤقت عن العمل، أو إعادة جدولة مشاريعهم المقبلة، انسجامًا مع المناخ العام الذي يطغى على المنطقة.
والفنانة ماجدة الرومي كلمات مؤثرة وجهتها إلى بيروت، مستحضرة صمود المدينة وقدرتها على النهوض رغم الألم.
وكانت الفنانة نانسي عجرم كانت من بين الأسماء التي أعلنت تعليق نشاطها الفني مؤقتا، إلى جانب إلغاء عدد من الحفلات المقررة، بعد زيارات إنسانية قامت بها لمراكز النازحين في بيروت، وهو ما عُدّ انعكاسا مباشرا لتفاعلها مع الواقع الميداني. وسيبقى قرارها قيد المراجعة وفق تطور الظروف، في انتظار عودة الاستقرار الذي يسمح باستئناف النشاط الفني بشكل طبيعي.
وأعلن الفنان وائل جسار بدوره تعليق نشاطه الفني مؤقتا، مؤكدا أن ما يحدث في لبنان والمنطقة يفرض حالة من التريث، معبّرًا عن أمله في عودة الهدوء في أقرب وقت ممكن.
وفي السياق نفسه، اختارت الفنانة إليسا إيقاف مشاركاتها الفنية وإلغاء عدد من الحفلات، في خطوة وصفت بأنها تأتي في إطار التضامن مع الأوضاع الراهنة، بينما أعلن الفنان الشامي تأجيل إطلاق ألبومه الأول المنتظر، في قرار يعكس تأثر المشهد الموسيقي الشاب بهذه الظروف. هذه القرارات المتقاربة، رغم اختلاف تفاصيلها، تعكس حالة عامة من التوقف المؤقت الذي يطغى على القطاع الفني اللبناني والعربي.
ولم يقتصر المشهد على الفنانين داخل لبنان فقط، بل امتد ليشمل موجة تضامن واسعة من نجوم عرب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الفنان تامر حسني عن دعمه للبنان بالدعاء وكتب، "اللهم احفظ لبنان وجميع أوطاننا العربية"، في رسالة عكست حجم التفاعل العاطفي مع ما يجري. كما عبّرت الفنانة ليلى علوي عن حزنها العميق، مؤكدة أن ما يحدث "يمسّ القلب مباشرة"، داعية إلى السلام وعودة الاستقرار.
وأكدت الفنانة التونسية درة تضامنها الكامل مع الشعب اللبناني، مشيرة إلى أن لبنان "بلد الجمال والحياة" ولا يستحق ما يمر به من أزمات، داعية إلى أن يعمّ السلام في أقرب وقت. كذلك عبّرت الفنانة يسرا عن دعمها للبنان عبر دعاء مؤثر، فيما شاركت الفنانة إلهام شاهين برسالة مماثلة عبّرت فيها عن ألمها وتعاطفها مع الضحايا والمصابين. كما كتبت كندة علوش رسالة تضامن أكدت فيها أن السلام للبنان وأهله هو أولوية إنسانية تتجاوز كل الحدود.
ويأتي هذا الموقف في امتداد تاريخ طويل من العلاقة بين الفن والأزمات في لبنان، حيث غالبا ما كان الفنانون يختارون التضامن أو التوقف أو إنتاج أعمال تحمل رسائل وطنية وإنسانية تعكس نبض الشارع.
من الناحية التاريخية، لطالما كان الفن في لبنان جزءًا من الحالة العامة للبلاد، يتأثر بها ويؤثر فيها في الوقت نفسه. فمن الحروب السابقة إلى الأزمات الاقتصادية وصولا إلى الانفجارات والتوترات الأمنية، كان الفنانون اللبنانيون في مقدمة من يعكسون وجع الناس، سواء عبر الأعمال الغنائية أو عبر المواقف العلنية أو حتى من خلال إيقاف النشاطات الفنية احترامًا للظروف العامة.
هذه الموجة من التوقف المؤقت للفنانين اللبنانيين التضامن لا تعني انسحابا من الساحة الفنية بقدر ما تعكس 'وقفة انتظار' يفرضها الواقع، حيث يبقى الفن حاضرا وإن غاب مؤقتا عن المسرح، فالموسيقى، رغم صمتها الحالي، تظل مرتبطة بالناس، تنصت لهم وتترجم مشاعرهم، لتعود لاحقا بصوت أكثر عمقا وصدقا يعكس ما مرّوا به من تجارب.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المشهد الفني اللبناني اليوم يعيش لحظة إعادة تموضع، تتقاطع فيها الإنسانية مع المسؤولية، ويختار فيها الفنانون أن يكونوا جزءًا من نبض الشارع لا خارجه.
وبين الغياب المؤقت والحضور المعنوي، يبقى الأمل بأن تعود الحركة الفنية قريبًا أكثر قدرة على التعبير عن واقع الناس وأحلامهم، في وطن اعتاد أن يحوّل الألم إلى إبداع.