رفض سياسي وشعبي عراقي لعودة التجنيد الإلزامي

نوري المالكي يطالب البرلمان بالتريث في إقرار قانون 'خدمة العلم'، داعيا لتخصيص الأموال لتطوير كفاءة الجيش وبناء قوة فعّالة بأعداد أقل وتقنيات أعلى.

بغداد - يثير مشروع قانون "خدمة العلم" الذي يفتح الباب لعودة التجنيد الإلزامي، جدلا واسعا في الساحة السياسية العراقية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات للتريث، بينما ذهبت شخصيات وأحزاب إلى حد وصفه بأنه "خطوة إلى الوراء"، معتبرة أنه يشكل عبءا إضافيا على خزينة الدولة.

وبرز في هذا السياق موقف رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، الذي حثّ عبر منصة "إكس" البرلمان على "التريث" في إقرار القانون، معتبراً أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الكثافة البشرية، بل على الطائرات المسيّرة والتقنيات المتقدمة.

وبيّن المالكي أن شمول أعداد كبيرة بالتجنيد سيكلف الدولة مبالغ طائلة دون حاجة فعلية، موضحاً أن الأولوية يجب أن تكون لتوجيه هذه الموارد لتطوير كفاءة الجيش وبناء قوة فعّالة بأعداد أقل وتقنيات أعلى.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس خشية من تأجيج الشارع في توقيت حساس، أو عدم قناعة بجدوى القانون في ظل التركيبة الحالية للمؤسسة العسكرية. كما يشير محللون إلى أن دعوة شخصية بوزن المالكي للتأجيل تعني عملياً وضع المشروع في "درج الانتظار" الطويل، نظراً لصعوبة تمريره دون توافق الكتل السياسية الكبرى.

وفي سياق متصل انتقدت كتل سياسية، من بينها كتلة "النهج الوطني"، هذه المبادرة التشريعية، واصفة إياها بأنها "عبء اقتصادي غير مبرر"، لاسيما وأن البلاد تعاني أساساً من تضخم في فاتورة الرواتب (الترهل الوظيفي).

ويرى معارضو المشروع أن إضافة آلاف المجندين تتطلب ميزانيات ضخمة للإطعام والتجهيز والرواتب، وهي أموال يجدر أن تخصص لقطاعي الصحة والتعليم.

ولدى المؤسسة العسكرية العراقية أعداد كافية من المنتسبين (عقود وتطوع)، لذا يتركز الرفض على مبدأ أن الأزمة ليست في "العدد"، بل في التدريب والتسليح النوعي؛ فالتجنيد الإلزامي لن يعالج الفجوة التقنية، بل قد يزيد من تعقيد الإدارة العسكرية واللوجستية.

أما اجتماعيا، فيسود القلق بين الأوساط الشبابية من أن يتحول التجنيد إلى وسيلة لتعطيل مساراتهم المهنية بدلاً من تأهيلهم. كما يبرز تصور بأن القانون قد يطبق بصرامة على الفقراء فقط، بينما قد تجد أبناء النخبة السياسية طرقاً للالتفاف عليه أو الحصول على إعفاءات عبر البدل النقدي.

ختاما، يبدو أن قانون خدمة العلم قد تحول من "طموح وطني" إلى "ورقة ضغط سياسي"، ومن المرجح أن يبقى معلقا في أروقة اللجان النيابية لفترة طويلة، في ظل غياب الرغبة الحقيقية والقدرة المالية لتحمل تبعاته في الوقت الراهن.