رواية عابرة للزمن وأخرى بنتُ زمنِها

محمد سلماوي ومحمد المنسي قنديلِّ يمثلان مسارين أدبيين متمايزين؛ حيث ينشغل الاول بـ 'الواقعية السياسية' والتوثيق المعاصر، بينما يغوص الثاني في 'شاعرية التاريخ' والأسطورة لاستكشاف مكنونات الهوية الإنسانية.

يجمع الأديبين محمد سلماوي (1945) ومحمد المنسي قنديل (1949) انتماؤهما لجيل واحد وتأثرهما بالواقع المصري، إلا أنهما يفترقان بوضوح في "النوع الأدبي" الغالب و"المنظور الفلسفي" لأعمالهما، فمحمد سلماوي يطغى عليه النَّفَس المسرحي والصحفي؛ فهو أحد أبرز كتَّاب المسرح العربي المعاصر (مثل مسرحية "فوت علينا بكرة" 1983، و"القاتل خارج السجن" 1985 و"سالومي" 1986، و"رقصة سالومي الأخيرة" 1999، وغيرها). كما تتميز أعماله بالتركيز على السيرة الذاتية والتوثيق للمرحلة السياسية المعاصرة (مثل "يوماً أو بعض يوم" 2017، و"العصف والريحان" 2021). أما محمد المنسي قنديل فهو طبيب، وأديب روائي بالدرجة الأولى، يشتهر بقدرته الفائقة على بناء العوالم الروائية المعقدة والمجموعات القصصية (مثل "انكسار الروح" 1988، و"قمر على سمرقند" 2005، و"يوم غائم في البر الغربي" 2009، و"أنا عشقت" 2012، وغيرها).

يميل سلماوي إلى الواقعية السياسية المباشرة؛ حيث تشتبك أعماله مع الهم اليومي والمؤسسي (بحكم خلفيته ككاتب صحفي في مؤسسة الأهرام). لغته أقرب إلى لغة المثقف الغربي المنفتح على الثقافات العالمية (بسبب دراسته للأدب الإنجليزي في أكسفورد). بينما يشتهر المنسي قنديل بدمج التاريخ بالخيال (مثل "قمر على سمرقند"). هو باحث في التراث الروحي والتاريخي، يعيد صياغة الوقائع القديمة برؤية معاصرة. كما تمتاز كتاباته بـلغة شعرية عالية واهتمام بالمهمشين والبيئات الشعبية والأرياف (مثل "طبيب أرياف" 2020).

تتجلى الفروق بين الأديبين بوضوح عند عقد مقارنة بين عملين بارزين لهما، حيث تظهر ملامح "الواقعية السياسية" لدى سلماوي في روايته "الخرز الملوّن" على سبيل المثال  مقابل "الواقعية السحرية/التاريخية" لدى المنسي قنديل في روايته "يوم غائم في البر الغربي" التي حوّلت إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان "وادي الملوك" 2011، إخراج حسني صالح.

تُصنف "الخرز الملون" كرواية تسجيلية وتوثيقية، وتركز بشكل مباشر على القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، من خلال قصة الكاتبة الصحفية والشاعرة الفلسطينية "نسرين حوري". وقد اعتمدت على الحدث السياسي كمحرك أساسي للدراما. ومالت اللغة إلى الوضوح والمباشرة الصحفية أحياناً، مع تركيز شديد على رصد التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر والمنطقة. إنها رواية "وطنية" بامتياز، تسعى لتوثيق الذاكرة الفلسطينية وكأنها نص أرشيفي بصيغة أدبية.

أما "يوم غائم في البر الغربي" فهي رواية تاريخية ملحمية تدور في بدايات القرن العشرين، وتجمع بين قصة "عائشة" والمستشرقين (مثل هوارد كارتر مُكتشف مقبرة توت عنخ آمون 1922)، والبحث عن مقبرة توت عنخ آمون، مع خلفية لثورة 1919. اعتمد المنسي قنديل على اللغة الشعرية والمشهدية العالية. واهتم بـالجو النفسي والأسطوري للمكان، وربط بين المكتشفات الأثرية ومصائر البشر. إنه يغوص في مفهوم "الهوية المصرية" الممتدة عبر العصور، ويمزج بين الواقع والبحث عن المجهول في باطن الأرض والروح البشرية.

إن بطلة الرواية "عائشة" تهرب من الصعيد خوفًا من بطش عمها، لتخوض رحلة مليئة بالخديعة والنبذ، وتتنقل بين أسيوط والقاهرة، وتعمل كمترجمة، وتتداخل حياتُها مع شخصيات تاريخية مهمة. وتلتقي بشخصيات مثل اللورد كرومر، وهوارد كارترـ والزعيم الوطني مصطفى كامل. وهي تمثل "رحلة بحث عن الذات"، وتنتهي بها الرحلة لتعيش مع هوارد كارتر في طيبة (الأقصر).

سلماوي في "الخرز الملون" كان ينظر إلى الخارج (السياسة، القضية، التاريخ المعاصر كوقائع صلبة). بينما المنسي قنديل في "يوم غائم في البر الغربي" كان ينظر إلى الداخل والماضي البعيد (الأسطورة، العاطفة، التاريخ كحالة شعورية ومتاهة).

وبينما يُعد المسرح العمود الفقري لمسيرة محمد سلماوي الأدبية، تمثل علاقة محمد المنسي قنديل بالدراما والسينما علاقة "تحويلية" تعتمد على ثراء نصوصه الروائية، ويمكن تلخيص الفوارق في هذا الجانب بأن سلماوي يعتبر – كما ذكرنا من قبل - من أبرز كتَّاب "المسرح الذهني والسياسي" المعاصرين، وتتميز تجربته بـالتخصص الأكاديمي حيث حصل على دبلوم في مسرح شكسبير من جامعة أكسفورد، مما صقل قدرته على بناء الصراع الدرامي الكلاسيكي. وتتسم أعماله مثل "فوت علينا بكرة" و"الجنزير" بالثورة على القوالب التقليدية، حيث يستخدم "مسرح العبث" لنقد البيروقراطية والتطرف الديني. ومسرحه يُؤسس للوعي النقدي؛ فمسرحية "الجنزير" (1992) مثلاً كانت أول عمل مسرحي يواجه قضية الإرهاب بشكل مباشر على خشبة المسرح المصري في التسعينيات. وتعتمد نصوصه المسرحية (مثل "سالومي") على إعادة قراءة التراث والقصص الدينية برؤية سياسية معاصرة.

أما المنسي قنديل فليس كاتب مسرح بالأساس، لكن تجربته الدرامية ترتبط بـالدراما الملحمية، وتم تحويل بعض أعماله الروائية إلى سيناريوهات سينمائية وتلفزيونية نظراً لثرائها البصري، مثل فيلم "آيس كريم في جليم" إخراج خيري بشارة (1992) كما شارك في معالجات درامية لبعض قصصه.

إذن يكتب المنسي قنديل رواياته "بعين سينمائية"؛ حيث يهتم بالتفاصيل المكانية والوصف الذي يسهل نقله للشاشة، كما في رواية "قمر على سمرقند" التي تميل بنيتها إلى الرحلة والتشويق السينمائي. وهو يرفض استخدام العامية في أعماله الأدبية – مثله في ذلك مثل نجيب محفوظ - لكنه يبرع في صياغة حوارات فصحى تتسم بالعذوبة والقدرة على تجسيد الشخصيات التاريخية والريفية بعمق.

عندما نقرأ رواية "قمر على سمرقند" للمنسي قنديل، ونقارنها برواية ثورية مثل "أجنحة الفراشة" لسلماوي، نرى أن الأولى تعتبر رواية "طريق" بامتياز، تبدأ من سيارة أجرة في أوزبكستان لتشمل رحلة عبر الزمان والمكان، حيث الكاتب يمزج بين الحاضر المنهار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبين عظمة الماضي (تيمورلنك، الغزالي، ابن سينا). إنه يبحث في "القدر" ومصائر البشر الضائعين بين أوطانهم المنهكة، بلغة تميل إلى الصوفية والشجن، ويعتمد على تداخل الحكايات والقصص الجانبية (أسلوب ألف ليلة وليلة). أما "أجنحة الفراشة" لسلماوي فهي تدور حول "الواقعية السياسية" المباشرة، حيث تستشرف وتوثق أحداث ثورة 25 يناير 2011 وما سبقها من تمهيدات وهي تركز على الصراع مع السلطة، والفساد السياسي، واختلاط المصالح بين المال والسياسة في مصر الحديثة، وتمتاز بلغة تقريرية ذكية، تعتمد على رمزية "الفراشة" التي تحرك أجنحتها فتحدث زلزالاً (تأثير الفراشة)، وهي أقرب إلى التحليل السوسيولوجي للمجتمع المصري من خلال دراما تصاعدية تركز على شخصية محورية (ضحى) وعلاقتها بالتحولات الدراماتيكية في الشارع المصري.

وقد لاحظنا أن المنسي قنديل في "قمر على سمرقند" يهرب من الواقع المرير إلى الذاكرة والتاريخ علَّه يجد إجابات لوجودنا، بينما سلماوي في "أجنحة الفراشة" يغوص في قلب الميدان ليحاول فهم آلية التغيير السياسي والاجتماعي.

وقد استقبل النقاد العملين بحفاوة بالغة، لكن من زاويتين مختلفتين تعكسان طبيعة مشروع كل أديب. فأشادوا بقدرة المنسي قنديل على إحياء أدب "الرحلة" في قالب روائي حديث؛ حيث اعتبروا الرواية جسرًا بين الشرق العربي وآسيا الوسطى، وأنها خارقة للحدود. وقد ركَّزت القراءات النقدية حولها على "اللغة العذبة" ووصفوها بأنها لغة "منمنمات" تعتني بالتفاصيل البصرية، مما جعلها تفوز بجائزة مؤسسة ساويرس للأدب (2006). وقد رأى النقاد أن استدعاء التاريخ وتيمورلنك لم يكن "مجرد استعراض"، بل وسيلة لنقد الاستبداد المعاصر من خلال قناع الماضي.

أما "أجنحة الفراشة" فقد أثارت دهشة النقاد، لأنها صدرت قبيل ثورة يناير بفترة وجيزة، واعتُبرت "نبوءة أدبية" رصدت بدقة غليان الشارع المصري. وقد انقسمت الآراء النقدية حولها؛ فبينما أشاد البعض بقدرة سلماوي على "تأريخ اللحظة الراهنة"، رأى آخرون أن الرواية تقترب من العمل "الصحفي الاستقصائي" أكثر من كونها عملاً تخيليًّا محضًا، غير أنها نالت تقديرًا خاصًّا لجرأتها في تشريح بنية نظام الحكم والفساد، وقد تُرجمت إلى لغات عدة كشهادة أدبية على تحولات مصر في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

ليس هناك شك أن المنسي قنديل نجح في تقديم رواية "عابرة للزمن وللحدود" تعتمد على سحر الحكاية، بينما نجح سلماوي في تقديم رواية "ابنة زمنها" بامتياز، تشتبك مع الواقع السياسي لحظة بلحظة.