زهر النارنج يروي حكاية الربيع التونسي

موسم قصير ينعش الذاكرة الجماعية في نابل ويجمع بين التراث والعائد الاقتصادي رغم التحديات.
'النيرولي' التونسي يشق طريقه إلى الأسواق الأوروبية
فتحية بوزيد
تونس

يتزامن دخول فصل الربيع في محافظة نابل مع انطلاق موسم تقطير زهر "النارنج"، الذي يعطّر مدنها وأريافها برائحة أزهاره الفوّاحة الناصعة البياض، معلنًا بداية موسم يميّز الجهة.

وما إن تكتسي حبات الزهر اللون الأبيض ويكبر حجمها وتفوح منها رائحة عطرية تملأ المكان، حتى يسارع أهالي الوطن القبلي إلى جنيها في أجواء عائلية تسودها الغبطة، سواء في الحقول أو حدائق المنازل أو حتى الشوارع التي لا تكاد تخلو من أشجار "النارنج".

فلا تكاد تمرّ في أنهج المدن حتى ترى السلالم قد وُضعت تحت أشجار النارنج، وفرشت المفارش لجمع حبات الزهر ومنع ارتطامها بالأرض حفاظًا على جودتها. وتُقطف الأزهار زهرةً زهرةً، فتتساقط كحبات الثلج البيضاء، مشكلةً أكوامًا صغيرة تنبعث منها رائحة زكية.

وقد أصبح هذا الموسم فرصة لإحياء عادات وتقاليد راسخة في ذاكرة أهالي الوطن القبلي، حيث تجتمع العائلات "النابلية" وتعيش أيامًا من البهجة والسرور، في موعد سنوي لإعداد "العولة" من ماء الزهر المنعش، الذي يُستعمل للتداوي من ضربة الشمس والآلام المعوية، ولصناعة أقنعة تجميل للبشرة، بالإضافة إلى استخدامه في صنع الحلويات أو إضافة قطرات منه إلى "القهوة العربية" ليضفي على مذاقها نكهة ساحرة.

ولا تزال بعض النسوة يحافظن على استعمال "القطّار التقليدي"، وهو وعاء يكون جزؤه السفلي من النحاس والعلوي من الفخار، لضمان جودة ماء الزهر المقطّر، إذ يعتبرنه أفضل من الطريقة العصرية التي يُعتمد فيها على قطّار من الألمنيوم. ويُحفظ ماء الزهر لاحقًا في قوارير خاصة تُسمّى "فاشكا"، وهي قوارير بلورية ذات شكل مميز، ترتكز على سلة بلاستيكية، وتتميّز بعنق رفيع وقاعدة عريضة وأحجام متفاوتة.

وموسم تقطير الزهر في محافظة نابل ضيف خفيف الظل، يحطّ الرحال لبضعة أسابيع فقط، وسرعان ما تختفي الحبات البيضاء، إما لتترك وراءها مذاقًا عذبًا في شكل ماء زهر، أو لتواصل نموّها وتتحوّل إلى ثمار نارنج عالية الحموضة، تُستثمر بدورها في معجون النارنج أو في منتجات أخرى تُصنع من القشور أو من أوراق هذه الشجرة المباركة.

ويُعدّ موسم جني وتقطير الزهر بمحافظة نابل من أبرز خصوصيات الجهة وأعرقها، إذ يكتسي أهمية اجتماعية واقتصادية بالغة، رغم قصره الذي لا يتجاوز شهرًا واحدًا (من منتصف مارس/آذار إلى منتصف أبريل/نيسان). كما أن المساحات المزروعة لا تتجاوز 483 هكتارًا، وفق ما أفاد به رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بنابل، عماد الباي، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات).

ويُحدث موسم الزهر حركية كبيرة في الجهة، حيث تنتصب أسواق بيع الزهر في نابل وبني خيار وبوعرقوب والحمامات ودار شعبان الفهري، سواء للبيع بحساب "الوزنة" (4 كلغ) أو لتجميع المحاصيل لدى مجمّعين موسميين يقتنونها ويوجهونها إلى وحدات التحويل التسع، التي تفتح أبوابها للعمل دون انقطاع على امتداد شهر كامل، بطاقة تصل إلى 100 طن يوميًا.

وأوضح الباي أن عملية التقطير ترتكز أساسًا على الجانب الصناعي الذي يستقطب الكميات الأكبر من الإنتاج، يليه التقطير التقليدي، الذي يُعدّ موروثًا ثقافيًا بارزًا في تونس عمومًا، وفي نابل بصفة خاصة، حيث لا يكاد يخلو بيت تونسي من ماء الزهر.

وأشار إلى أن الانطلاق الفعلي لموسم جني الزهر بالجهة تم منذ نحو أسبوعين، سواء في المنازل التي تعتمد الطرق التقليدية أو في بعض المصانع المختصة في عمليات التحويل، والبالغ عددها أربع وحدات ضمن هياكل مهنية في الوسط الريفي بمعتمديات قربة وبني خيار ودار شعبان ونابل، إلى جانب شركتين تعاونيتين تنشطان في القطاع.

وفي هذا السياق، أكد أن محافظة نابل تحتل موقعًا رياديًا في إنتاج الزهر على المستوى الوطني، إذ تستأثر بـ83 بالمئة من المساحة الجملية، وتساهم بنحو 95 بالمئة من الإنتاج الوطني، الذي يتراوح بين 11 ألفًا و14 ألف طن سنويًا، تبعًا للتغيرات المناخية وكميات التساقطات.

وأضاف أن إنتاج مادة "النيرولي" يُقدّر بحوالي 1.4 طن سنويًا، يُوجّه الجزء الأكبر منه نحو الأسواق الخارجية، وخاصة الأوروبية، حيث يُستعمل في صناعة العطور الرفيعة، بما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني عبر توفير العملة الصعبة.

ولاحظ الباي أن القطاع يواجه جملة من التحديات التي تتجدد مع كل موسم، أبرزها سعر "الوزنة" من الزهر (4 كيلوغرامات)، الذي يُقدّر بنحو 20 دينارًا (ما يعادل 6.4 دولارات أميركية)، معتبرًا أن هذه التسعيرة لا تغطي تكلفة الإنتاج، خاصة مع ارتفاع كلفة اليد العاملة وندرتها.

وبيّن أن نقص اليد العاملة المختصة في جني الزهر بالطريقة التقليدية دفع بعض المنتجين إلى التوجه نحو الميكنة، رغم تأثيرها السلبي على جودة المنتوج، إذ تقلّص من عدد مرات الجني وتؤدي إلى خسارة جزء من المحصول.

وطالب الباي بضرورة مراجعة سعر "الوزنة" ليصل إلى ما لا يقل عن 30 دينارًا (نحو 9.6 دولارات أميركية)، بما يضمن استدامة القطاع ويوفّر هامش ربح للفلاحين، يتيح لهم الجني على مراحل متعددة، ويحافظ على جودة المنتوج ويضمن مردودية أفضل.