سيرة سلماوي ومسيرته

المجلس الأعلى للثقافة بمصر يحتفي بثمانينية الكاتب محمد سلماوي عبر كتاب تذكاري يضم شهادات ودراسات تسلط الضوء على مسيرة استثنائية بين الرواية والمسرح والصحافة والدبلوماسية والعمل الوطني.

احتفالاً بثمانينية الكاتب الكبير محمد سلماوي أصدر المجلس الأعلى للثقافة كتابًا تذكاريًّا – حرَّره أحمد السيد - يجمع الدراسات والأبحاث والمقالات والشهادات التي شارك بها أصحابُها في احتفالية تذكارية كبرى افتتحها وزير الثقافة (السابق) د. أحمد فؤاد هنو الذي ذكر أن محمد سلماوي جمع بين الأدب والصحافة، والمسرح والترجمة، والفكر والنقد، والدبلوماسية الثقافية والمسئولية الوطنية في توازنٍ فريد ونادر. فهو الأديب الذي كتب الرواية والمسرحية والمقالة، وهو الصحفي الذي ترأس واحدة من أهم الصحف المصرية، وهو المترجم الذي قدَّم للغة العربية أعمالا ذات قيمة، وهو الناقد المثقف الذي لم ينعزل أبدًا عن قضايا مجتمعه، بل انخرط فيها عن وعي، وشارك في بلورة خطاب تنويري أصيل.

ويشير هنو إلى أن سلماوي كذلك عضو بارز في المجلس الأعلى للثقافة الذي ظل يدعم العمل المؤسسي الثقافي في مصر، ويعلِّي من قيمة التعدد والتنوع، ويؤمن بالدور الأساسي للثقافة في بناء الوعي العام.

ثم تحدث سلماوي عن نفسه وعن رحلته الأدبية من خلال حوار متخيل وشيق بينه وبين نفسه.

وأشار د. أحمد زايد (مدير مكتبة الإسكندرية) في كلمته إلى أن سلماوي – الذي كان عضوًا في صياغة الدستور المصري بعد ثورة يناير 2011 - عمل على أن يدخل باب "المقومات الثقافية" لأول مرة في الدساتير المصرية، وهو الباب الذي كتبه سلماوي بنفسه، ونصَّت المادة الأولى فيه على أن الثقافة حق للمواطن، على الدولة أن تكفلها لجميع المواطنين بلا تمييز بسبب القدرة المادية أو البعد الجغرافي أو غير ذلك.

ثم تناول د. يوسف نوفل (أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس) ثنائيات التضاد في السرد القصصي عند سلماوي، وأشار إلى ثنائية الزمان والمكان، من خلال قصة "ثمانية أيام"، وثنائيات التضاد في العنوان "العصف والريحان"، وهو الجزء الثاني من سيرة سلماوي حيث العصف هو الورق المتفتت وما لا يؤكل، والريحان هو الرزق من الزرع والحبَّة التي تؤكل منه. وثنائية الموت والحياة في أعماله، كما أشار إلى الترميز والأقنعة، ورمز الطير، ورمز اللون الأسود، وجملة السرد، والتوثيق في أعمال سلماوي.

وتوقف د. سعيد توفيق (أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة) عند جذوة الماضي حينما يتأجَّج في رواية "زهرة النار" لسلماوي.

وتحدث أحمد فضل شبلول عن الجزء الثاني من مذكرات سلماوي التي حملت عنوان "العصف والريحان" والتي تبدأ بالرجل الذي عادت إليه ذاكرته بعد أن فقدها إثر توقيع اتفاقية السلام مع العدو التاريخي للأمة العربية. وفي هذا الجزء ينصح نجيب محفوظ كاتبنا محمد سلماوي بألا يترك الكتابة، وذلك بعد أن اختاره وزير الثقافة  فاروق حسني وكيلا للوزارة للعلاقات الثقافية الخارجية حيث قال له محفوظ: "ألف مبروك، لكن أوعى تسيب الكتابة"، وشرح له أن الفترة التي قضاها رئيسًا لمؤسسة السينما لم يكتب فيها حرفًا. ولا يريد محفوظ أن يكرر سلماوي التجربة نفسها.

ويقدم الناقد د. حسين حمودة (أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة القاهرة) مقاربة لرواية "أوديب في الطائرة" لسلماوي تحدث فيها عن بناء الرواية، والرواية بين الأسطورة والتاريخ، وموازاة العالمين: ظواهر وقضايا، وحركة الزمن في الرواية، وبعض ملامح سرد هذه الرواية. ويرى حمودة أن هذه الرواية تقرأ حاضر الكتابة في ماضي الأسطورة، وتقرأ ماضي الأسطورة انطلاقًا من حاضر الكتابة، وأنها تتجاوز حدود كتابة "تاريخ بديل" أو "تاريخ محاذ". إنها ترفع مستوى إعادة النظر في التاريخ إلى مستوى خلق تاريخ آخر، وتتحرر من حدود ومن قيود "المحاذاة" (التي تعني وجود خطين تتم الموازاة بينهما) إلى درجة "محو" كل الخطوط الفاصلة، الحاسمة، بين العوالم المتباعدة.

ويؤكد حمودة أن الرواية تطرح قضايا عدة حول الفن وعلاقته بالمجتمع، وحرية الإبداع، والأحزاب الورقية والتناقض أو التباين بين التاريخ الحقيقي والتاريخ الذي يدرس في المدارس.

وتتوقف د. عزة بدر عند رواية "الخرز الملوّن" التي لا تزال من أهم الأعمال الأدبية التي رصدت تطور الصراع العربي الإسرائيلي، وأرَّخت للقضية الفلسطينية من خلال تصوير حياة صحفية فلسطينية عاشت في القاهرة، وعملت بجريدة الأهرام، كمحررة بالقسم الخارجي، كما تمتعت بموهبة شعرية كان لها صداها في مقالاتها السياسية والنثرية، هي نسرين حوري، بينما كان اسم البطلة الحقيقية في حياة سلماوي "جاكلين خوري"، فنسرين ما هي إلا قناع لجاكلين.

وتشير عزة بدر إلى أن رواية "الخرز الملون" تدور في خمسة أيام تختصر قضية عمرها نصف قرن من الزمان، ولا تزال هي قضية العرب الأولى: اليوم الأول في حياة نسرين 14 مايو 1948، وحمل عنوان "أغنية الانطلاق"، واليوم الثاني 22 يوليو 1952، واليوم الثالث 21 مارس 1958، وعنوانه "جنة عدن"، واليوم الرابع في حياتها 19 ديسمبر 1976، وحمل عنوان "شراع بلا ريح"، واليوم الخامس والأخير هو 20 أبريل 1980 وحمل عنوان "الخروج من اللعبة".

وتحدث الروائي والقاص منير عتيبة عن ركائز المشروع الإبداعي عند محمد سلماوي، وأشار إلى أن سلماوي ابن عصره من حيث الفكر والفن معًا. وأنه من الكتاب أصحاب المشاريع الأدبية على أكثر من مستوى، أهمها مستوى الإنتاج ومستوى الحراك الثقافي. ثم قدم قراءة في المجموعة القصصية "الرجل الذي عادت إليه ذاكرته".

وعن تجربة المسرح العبثي في مسرح محمد سلماوي كتب الناقد المسرحي أحمد خميس الحكيم الذي أكد أن واحدة من سمات مسرح سلماوي أنه لا يركن لطريقة واحدة في مواجهة الواقع، وإنما يضع لكل نص من نصوصه المسرحية هندسة بناء تناسبه من حيث تطور الحدث أو مقابلة الحقيقة المرة.

ورسم الكاتب والناقد خالد جودة أحمد خارطة طريق الإبداع القصصي لمحمد سلماوي، وأوضح أن سلماوي نشر أكثر من تسع مجموعات قصصية بدءًا من مجموعته القصصية الأولى "كونشرتوا الناي" 1988، و"وفاء إدريس وقصص فلسطينية أخرى" 2002 والتي كأنها كتبت الآن لتصور المحنة والمقاومة الفلسطينية في آن واحد. وغيرها من المجموعات. وأضاف جودة أن سلماوي كتب قصصًا للأطفال التي يستمتع بها الكبار أيضًا، ويقصد بها مجموعة "شجرة الجميز". كما أشار الناقد إلى المجموعة القصصية "إزيدورا والأتوبيس" 2008 وأوضح أنها قصص منتخبة من المجموعات الأخرى، إضافة إلى قصص جديدة لن تنشر من قبل.

أما الناقدة والباحثة المسرحية رنا عبدالقوي فقد تحدثت عن نقد البروتوكولات السياسية والاجتماعية المزيفة في النص المسرحي "اتنين تحت الأرض"، وأشارت إلى أن سلماوي تنبأ في عام 1987 – وهو عام كتابة النص – بثورة تونس، وثورة 25 يناير 2011 في مصر من خلال وصفه مشهدًا على لسان "حسن" بعد ذكر معاناته في إيجاد العمل والسكن، ومشكلات المواصلات والتليفونات وشبكة الطرق والصرف الصحي والدخل الشهري قائلا: "كتير فكرت لو الواحد مثلا حرق نفسه في ميدان التحرير احتجاجًا على مشكلة واحدة من اللي احنا عايشين فيها، لو الواحد ضحى بنفسه من أجل جيل بحاله مش عارف يعيش يمكن كان حايبقى فيه اهتمام أكبر بالمشاكل دي".

وتخلص رنا عبدالقوي – في بحثها - إلى أننا أمام إرث من الكتابة المسرحية التي تصلح لكل زمان، كتابة تؤرخ لمصر مرحلة زمنية ليست هينة، كتابة ترصد طبيعة المجتمع وسمات أفراده.

ثم قدم د. محمد أمين عبدالصمد (أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية) قراءة أولية في الاستلهام التاريخي في مسرح محمد سلماوي – سالومي نموذجًا. وخلص إلى بعض سمات مسرح محمد سلماوي ومنها: الإحساس الدقيق والواعي بالمشكلات الاجتماعية والسياسية القائمة والمُلحة في مجتمعه، وأنه منتمٍ أيديولوجيًّا، وينعكس هذا على اختياره لقضاياه وكيفية معالجتها وتقديمها. وأن كتاباته المسرحية تتسم باللغة الساخرة القادرة على التقاط المفارقة، كما تتنوع الأساليب المسرحية والتيارات الفنية في مجمل مشروعه المسرحي، بفهمه الخاص، متوافقًا مع ثقافة مجتمعه ورؤاه، وأنه عايش تجارب سياسية واجتماعية كثيرة ومتنوعة فانعكس هذا على قناعاته الفكرية، وبالتالي على إبداعاته ومنها المسرح. وأن مسرحه واعٍ داعٍ للتغيير لصالح المجموع مع عدم إغفال التمايز الفردي، وأن لغة مسرحه فصيحة بمعنى الوضوح وعدم الإبهام، ولغته لغة درامية تتسق مع الأحداث وتحقق مبدأ لياقية الحوار مع شخصياته.

وأشار الشاعر الفلسطيني ورئيس الاتحاد العام لأدباء وكتَّاب فلسطين مراد السوداني في كلمته إلى أن فلسطين كرَّمت الأستاذ سلماوي بوسام الثقافة والعلوم والفنون اعترافًا وتثمينًا لجهوده الغامرة تأكيدًا على حق وحقيقة فلسطين، سُرة العرب، وغُرَّة الكون.

وأكد الروائي والكاتب السوري نبيل سليمان أن مسرحيات وروايات وكتابات سلماوي السياسية وخصوبة حياته الصحفية والإدارية والنقابية لتقدم العالم في ألوانه وتناقضاته وصبواته في حلوه ومُرّه. وأشار سليمان إلى أنه يضع التوراة جانبًا، ويضع مسرحية أوسكار وايلد "سالومي" جانبًا، ويهرع إلى "سالومي" محمد سلماوي في رقصتها الأخيرة.