شبهة الاقتباس تلاحق 'مولانا'

تشابه الخطوط الدرامية بين المسلسل السوري و"مارمولك" و"سان سيباستيان" يفتح بابا للتساؤل: هل هو استنساخ فني أم حوار ثقافي متجدد؟

دمشق ـ منذ اللحظة الأولى لعرض مسلسل "مولانا" في رمضان 2026، لم يهدأ الجدل حوله، فالمسلسل الذي جاء محمّلًا بأسئلة الهوية والدين والسلطة، وجد نفسه سريعا في قلب نقاش واسع لا يقتصر على موضوعه الحساس، بل يمتد إلى اتهامات متصاعدة تشير إلى احتمال اقتباسه من أعمال سينمائية سابقة.

ومن أبرز هذه الأعمال الفيلم الإيراني "مارمولك" الصادر عام 2004، وفيلم الويسترن الكلاسيكي "بنادق من أجل سان سيباستيان" الذي أخرجه هنري فيرنويل في ستينيات القرن الماضي. وهناك من يرى أن التشابه يصل إلى حد التطابق في الخطوط العريضة، بينما يعتبر آخرون أنه مجرد توارد أفكار ضمن ثيمة إنسانية متكررة، تتداخل الأسئلة الفنية مع الحساسية الثقافية، ليصبح النقاش جزءا من استقبال العمل أكثر من كونه مجرد قراءة نقدية.

وفي قلب الحكاية يقف "جابر"، رجل يهرب من ماض ثقيل يطارده، ومن مجتمع لم يمنحه فرصة للنجاة. في محاولة أخيرة للاختباء، يتخفّى داخل نسب مقدّس، مستندا إلى حيلة جريئة تغيّر مجرى حياته وحياة الآخرين من حوله.

وتقوده الأقدار إلى قرية منسية أنهكها الانتظار، يعيش أهلها على أمل عودة "المولى" الذي يؤمنون بأنه سيعيد إليهم الخلاص بعد عقود من اليأس. بذكاء وجرأة، يعيد جابر صياغة الحكاية، فيتحول من هارب إلى رمز، ومن رجل مكسور إلى أمل تتعلق به قرية بأكملها.

وتتصاعد الأحداث بشكل لافت في الحلقة الثالثة عشرة، المعنونة "عرس الدم"، حيث تختلط مشاعر الندم بالخوف، وتتحول ليلة يُفترض أن تكون سعيدة إلى ساحة توتر مفتوح. هنا يبرز هشاشة القناع الذي يرتديه البطل، ويظهر الثمن الأخلاقي الذي يرافق لعبة الانتحال. ويغوض المسلسل في أسئلة عميقة حول مفهوم "القداسة"، واستغلال الرمزية الدينية، وحدود الحقيقة والوهم في المجتمعات المغلقة. وهنا تحديدا بدأت المقارنات مع أعمال سابقة.

  صدر فيلم "مارمولك" عام 2004 من إخراج كمال تبريزي، وبطولة بارفيز براستوي. وكلمة "مارمولك" في الفارسية تعني "السحلية"، وتوحي بالشخص المراوغ سريع الهروب من المآزق.

وتدور الحكاية حول رضا، اللص المعروف بخفة حركته، الذي يهرب من السجن متنكّرا بزي رجل دين.

 في البداية، لا يحمل التنكر أي بعد روحي، بل هو وسيلة عملية لتفادي القبض عليه، غير أن المفارقة تبدأ حين يجد نفسه في بلدة تستقبله بحفاوة، وتنتظر منه خطبة الجمعة وإرشادات الحياة. يتعامل مع الموقف في البداية كعرض مسرحي مؤقت، يحاول حفظ بعض العبارات الدينية وترديدها دون اقتناع عميق. لكن التماس المباشر مع الناس، وحاجاتهم البسيطة وأحلامهم المؤجلة، يفتح في داخله نافذة لم يكن يتوقعها، فيتحول تدريجيا من محتال إلى إنسان يكتشف معنى المسؤولية.

ويحمل الفيلم يحمل طابعا نقديا ساخرا، يطرح تساؤلات حول الشكل والمضمون في الخطاب الديني، ويستخدم الكوميديا كأداة لكشف التناقضات الاجتماعية.

 أما فيلم "بنادق من أجل سان سيباستيان"، فيدور في المكسيك خلال القرن الثامن عشر. يضطر رجل خارج عن القانون إلى انتحال صفة قسيس لمساعدة قرية تعاني من هجمات العصابات.

الأسئلة الفنية تتداخل مع الحساسية الثقافية
الأسئلة الفنية تتداخل مع الحساسية الثقافية

ومع تطور الأحداث، يتحول الرجل تدريجيا من شخصية انتهازية إلى قائد روحي يدافع عن أهل القرية، في مسار يجمع بين الخلاص الشخصي والتضحية.

وينتمي الفيلم إلى تقاليد الويسترن الكلاسيكي، حيث تتقاطع البطولة الفردية مع التحوّل الأخلاقي، وتُبنى الدراما على صراع واضح بين الخير والشر.

 شخصيات المسلسل والفيلمين هاربة أو خارجة عن القانون تنتحل صفة رجل دين أو شخصية مقدسة ثم يقود تحوّل داخلي إلى دور قيادي.

هذه العناصر الدرامية هي ما غذّى شبهة الاقتباس، خصوصا مع التشابه البنيوي بين رحلة جابر في "مولانا" ورحلة رضا في "مارمولك"، وكذلك مع مسار بطل "بنادق من أجل سان سيباستيان".

 مع ذلك، فإن الفوارق بين الأعمال ليست هامشية، فالسياق الزمني والجغرافي مختلف جذريا، في "بنادق من أجل سان سيباستيان" ينتمي إلى أجواء الويسترن في المكسيك التاريخية، بينما يتحرك "مولانا" في بيئة عربية معاصرة مثقلة بأسئلة الهوية والدين والسلطة، أما "مارمولك" فينطلق من سياق إيراني خاص، حيث يشتبك مع الواقع الاجتماعي والسياسي عبر السخرية.

وتختلف المعالجة الفكرية بوضوح، فـ"مارمولك" يستخدم الكوميديا كوسيلة نقد، بينما يتبنى "مولانا" نبرة جدية داكنة، تركز على الصراع النفسي والبعد التراجيدي، أما فيلم الويسترن، فينحاز إلى البطولة والخلاص الفردي ضمن إطار مغامرة كلاسيكية.

ويبدو الانتحال في "مولانا" جزءا من لعبة سلطة معقدة، تتعلق بتشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج الأسطورة، أكثر من كونه مجرد وسيلة للهروب.

ويبقى السؤال الجوهري هنا، هل يكفي التشابه في الفكرة الأساسية للحكم بالاقتباس؟ دراميا، ثيمة "المحتال الذي يصبح مصلحا" ليست جديدة. وظهرت بأشكال متعددة في الأدب والسينما، من قصص العصور الوسطى إلى أفلام القرن العشرين. والفكرة الإنسانية حول القناع والتحوّل الأخلاقي قابلة لإعادة التوظيف في سياقات مختلفة.

ولا يتوقف الحكم النهائي على الفكرة وحدها، بل على التفاصيل، مثل بنية الأحداث، وتطور الشخصيات، وطبيعة الصراع، ونهاية الرحلة. فإذا تشابهت هذه العناصر تفصيلا، قد يصبح الحديث عن اقتباس مشروعا. أما إذا اختلفت المعالجة والبنية الدرامية، فإن الأمر قد يندرج ضمن إعادة إنتاج ثيمة إنسانية عامة.

ومن الممكن أن يكون "مولانا" قد تأثر بوعي أو دون وعي، بأعمال سابقة تناولت الثيمة نفسها، سواء "مارمولك" أو "بنادق من أجل سان سيباستيان"، فالفن بطبيعته حوار مستمر بين نصوص وأزمنة. لكن التأثر لا يعني بالضرورة الاستنساخ.

يبقى الفيصل في النهاية هو مدى قدرة العمل على تقديم رؤية جديدة، تعبّر عن سياقه الثقافي والاجتماعي الخاص، فإذا استطاع "مولانا" أن يطرح أسئلته بجرأة وأن يمنح شخصياته عمقا يتجاوز مجرد استعارة الفكرة، فإنه يرسّخ استقلاله الفني، حتى لو تشارك مع غيره في نقطة الانطلاق.