'شم النسيم' في مصر طقوس فرعونية متوارثة
القاهرة - يحتفل المصريون بعيد شم النسيم، الذي يوافق هذا العام يوم الإثنين 13 أبريل/نيسان 2026، تتجدد مظاهر البهجة في مختلف أنحاء البلاد، بينما تبرز مدينة ''نبروه'' بمحافظة الدقهلية كوجهة رئيسية لعشاق الفسيخ والأسماك المملحة، في مشهد سنوي يعكس عمق ارتباط المصريين بتقاليدهم المتوارثة عبر آلاف السنين.
وتشهد مدينة ''نبروه'' خلال هذه الفترة حالة من النشاط المكثف، حيث تستقبل يوميا أعدادا كبيرة من الزوار القادمين من مختلف المحافظات، إلى جانب طلبات متزايدة من المصريين في الخارج، الذين يحرصون على اقتناء "فسيخ نبروه" كجزء أساسي من طقوس الاحتفال بهذه المناسبة.
وقد اكتسبت المدينة شهرة واسعة على مدار عقود، حتى بات اسمها مرادفًا لصناعة الفسيخ في مصر، بفضل خبرة أهلها وجودة منتجاتهم.
ويعتمد تصنيع الفسيخ على عملية دقيقة تبدأ باختيار سمك البوري الطازج بعناية، ثم تمليحه وفق أساليب تقليدية متوارثة، قبل تخزينه في بيئة محكمة الإغلاق لفترات تختلف حسب درجات الحرارة والعوامل المناخية.
ويؤكد العاملون في هذه الصناعة أن سر تميّز الفسيخ لا يكمن فقط في جودة السمك، بل في الخبرة الطويلة التي تضمن الوصول إلى الطعم والرائحة المميزين اللذين يبحث عنهما المستهلكون كل عام.
ويقول أحد صناع الفسيخ في نبروه إن "هذه المهنة ليست مجرد تجارة، بل تراث عائلي نعتز به ونحرص على نقله للأجيال القادمة"، مشيرا إلى أن الإقبال هذا العام يشهد زيادة ملحوظة رغم التحديات الاقتصادية. ويضيف أن الزبائن يأتون من مختلف المحافظات، بل ومن خارج مصر، بحثا عن الجودة التي اشتهرت بها المدينة.
ولا يقتصر الاهتمام بشم النسيم على الطعام فقط، بل يمتد ليشمل طقوسا اجتماعية وثقافية تعكس هوية المجتمع المصري. ويُعد هذا العيد من أقدم الأعياد في التاريخ، حيث تعود جذوره إلى الحضارة المصرية القديمة قبل أكثر من 2700 عام قبل الميلاد، عندما كان يُعرف باسم "شمو"، أي عيد بعث الحياة وتجددها.
ويرتبط شم النسيم ببداية فصل الربيع واعتدال الطقس، ما يجعله مناسبة مثالية للخروج إلى الحدائق والمتنزهات والاستمتاع بالطبيعة. ففي هذا اليوم، تمتلئ المساحات الخضراء بالعائلات التي تبحث عن الراحة والبهجة بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية، في مشهد يجمع بين الأصالة والحداثة.
ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضًا تلوين البيض، وهي عادة فرعونية قديمة ترمز إلى خلق الحياة من الجماد. وكان المصريون القدماء ينقشون على البيض أمنياتهم ويعلقونه على الأشجار مع شروق الشمس، اعتقادًا بأن النور سيحقق هذه الأمنيات. واليوم، لا تزال هذه العادة مستمرة، حيث يحرص الأطفال على تزيين البيض بألوان زاهية باستخدام مواد طبيعية مثل البنجر والكركم والكركديه.
كما يحتل البصل الأخضر مكانة خاصة في طقوس العيد، إذ ارتبط في الموروث الشعبي بقدرته على طرد الأرواح الشريرة والوقاية من الأمراض، وهي معتقدات تعود إلى عصور قديمة. إلى جانب ذلك، يُعد الخس والملانة (الحمص الأخضر) من الأطعمة التي تعلن عن قدوم الربيع، حيث ارتبطت بنمو الطبيعة وتجددها.
أما ''الفسيخ''، فيظل النجم الأبرز على مائدة ''شم النسيم''، إذ يرتبط تناوله بتقديس النيل منذ العصور الفرعونية، حين اعتبر المصريون القدماء أن الحياة بدأت من الماء، وأن السمك رمز للخير والرزق. وقد أبدعوا في طرق حفظ الأسماك وتجفيفها، لتتحول هذه العادة إلى تقليد مستمر حتى يومنا هذا.
ورغم الأجواء الاحتفالية، يواصل خبراء التغذية توجيه التحذيرات بشأن تناول الفسيخ، مؤكدين ضرورة شرائه من مصادر موثوقة لضمان سلامته، مع تجنب الإفراط في تناوله، خاصة لمرضى الضغط وأمراض القلب والكلى. كما ينصحون بتناول كميات معتدلة مع الإكثار من الخضروات وشرب المياه لتقليل تأثير الأملاح.
ويؤكد مختصون أن الفسيخ، رغم قيمته التراثية، قد يشكل خطرًا صحيًا في حال سوء تصنيعه أو تخزينه، ما يستدعي توخّي الحذر واتباع الإرشادات الصحية، خاصة في ظل تزايد الطلب عليه خلال هذه الفترة.
ويمثل شم النسيم فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، حيث يحرص الكثير من المصريين على زيارة الأقارب والتجمع في أجواء يسودها الود والمحبة. وتُعد هذه المناسبة متنفسًا اجتماعيا مها، يعيد التوازن بين متطلبات الحياة اليومية واحتياجات الإنسان للراحة والتواصل.
وفي بعض المناطق، خاصة في الأقصر، تتخذ الاحتفالات طابعًا مميزًا، حيث يتجه الأهالي إلى نهر النيل مع شروق الشمس، ويحرصون على التنزه في المراكب الشراعية، في مشهد يجمع بين الجمال الطبيعي والعمق التاريخي. كما يزور البعض المعابد الفرعونية، في محاولة لاستحضار روح الأجداد وربط الماضي بالحاضر.
ورغم تغير الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار، يظل شم النسيم حاضرًا بقوة في وجدان المصريين، باعتباره عيدًا يجمع بين عبق التاريخ وروح العصر. فالمصريون، على اختلاف فئاتهم، يحرصون على إحياء هذه المناسبة بطريقتهم الخاصة، مع الحفاظ على جوهرها الأصيل.
ويبقى شم النسيم أكثر من مجرد عيد، بل هو تعبير حي عن هوية شعب استطاع أن يحافظ على تقاليده عبر العصور، ويحوّلها إلى مصدر للفرح والتجدد. وبينما تتزين موائد المصريين بالفسيخ والبيض الملون، وتزدحم الحدائق بالعائلات، تتجدد في القلوب معاني الأمل والحياة، ليظل هذا العيد رمزًا دائمًا للبهجة والانتماء.