عبدالحليم يقف أمام جمهور المغرب بتقنية الهولوغرام
الدار البيضاء (المغرب) ـ تستعد مدينة الدار البيضاء لاحتضان عرض فني استثنائي يعيد أسطورة الطرب العربي عبدالحليم حافظ إلى خشبة المسرح عبر عرض "حليم.. تجربة الهولوغرام التفاعلية والغامرة".
ومن المرتقب أن يُقام العرض يوم 10 أبريل/نيسان 2026 بالمركب الرياضي محمد الخامس، في إطار جولة تعتمد أحدث تقنيات العرض البصري والسينوغرافيا الغامرة، بمرافقة أوركسترا حية، في تجربة تعد الجمهور بمعايشة أجواء حفلات "العندليب الأسمر" كما لو أنها تعود إلى الحياة من جديد.
ويأتي هذا الحدث في سياق اهتمام متزايد في المغرب والعالم العربي بتقنية الهولوغرام، التي باتت تُستخدم لإحياء رموز فنية راحلة، مستفيدة من التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي لإعادة بناء الصورة والصوت والحركة بدقة لافتة. غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من إبهار تقني وشحنة عاطفية، لم يخلُ من جدل قانوني وأخلاقي حول حدود استخدام إرث الفنانين الراحلين وحقوق ذويهم.
والهولوغرام هو أسلوب متطور من تقنيات العرض ثلاثي الأبعاد، يتيح إسقاط صورة مجسمة تبدو للمشاهد وكأنها حقيقية وماثلة أمامه في الفضاء. ويعتمد العرض على مزيج من الإسقاط الضوئي عالي الدقة، والشاشات الشفافة أو العاكسة، وبرمجيات متقدمة تعيد تشكيل ملامح الفنان وحركاته استنادا إلى أرشيف بصري وصوتي واسع. وفي بعض الحالات، يُستعان بالذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الصوت أو توليد حركات جديدة متناسقة مع الأداء الموسيقي.
وتمنح هذه التقنية الجمهور إحساسا بالاندماج الكامل، خاصة عندما تُدمج بعناصر سينوغرافية وإضاءة محيطية وأداء حي لفرقة موسيقية. وهنا يتحول العرض إلى تجربة حسية متكاملة، لا تقتصر على المشاهدة، بل تستحضر ذاكرة جماعية مرتبطة بزمن فني مضى.
ورغم تأكيد الجهة المنظمة لحفل عبدالحليم حافظ أنها استوفت جميع التراخيص القانونية المتعلقة باستغلال صورة الفنان وصوته وأعماله الغنائية، فإن عائلة الراحل عبّرت عن اعتراضها، ملوّحة باتخاذ إجراءات قانونية في مصر والمغرب. وقد أوضح محمد شبانة، نجل شقيق الفنان، أن حقوق استخدام صورة عبدالحليم وصوته محفوظة للعائلة، مشيرا إلى تجربة سابقة لم تكن مرضية من حيث جودة التجسيد، إذ "بدت الصورة مشوهة وأقرب إلى الكاريكاتير".
في المقابل، أكدت الشركة المنتجة أن الحفل يُقام بناء على اتفاق قانوني مع المنتج محسن جابر، الذي يمتلك حقوق استغلال عدد من أعمال الفنان، وأن عروض الهولوغرام لعبدالحليم ليست سابقة، بل سبق تقديم أكثر من 25 حفلا من هذا النوع، بينها حفلات في مصر.
هذا السجال يعكس إشكالية أعمق تتعلق بالفصل بين حقوق الملكية الفكرية للأعمال الفنية، وحقوق الصورة والاسم والاعتبار المعنوي للفنان الراحل. فحتى لو توفرت التراخيص القانونية، يبقى السؤال الأخلاقي مطروحا: هل يحق إعادة "إحياء" فنان راحل دون موافقة صريحة من عائلته؟ وهل تكفي الشرعية القانونية لضمان الشرعية الرمزية؟
ويأتي حفل عبدالحليم في سياق تجارب سابقة شهدها مهرجان مهرجان موازين، الذي نظم في دورات سابقة عروضا بتقنية الهولوغرام. ففي عام 2024، عاش الجمهور المغربي تجربة استثنائية مع ظهور أم كلثوم على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط.
وظهرت "كوكب الشرق" بإطلالات متعددة، وأدت روائع خالدة مثل أنت عمري وسيرة الحب والأطلال، وسط تفاعل جماهيري كبير بلغ حد الدموع والتصفيق الحار. كثير من الحاضرين لم يعاصروا أم كلثوم في حياتها، لكنهم وجدوا في العرض فرصة رمزية للعودة إلى “الزمن الجميل”، مدفوعين بالحنين والفضول التكنولوجي في آن واحد.
وقد سبق أن استضافت دبي أوبرا عام 2021 حفلا مماثلا لعبدالحليم حافظ بتقنية الهولوغرام، ما يدل على أن هذه العروض باتت جزءا من صناعة ترفيهية عابرة للحدود، تراهن على قوة النوستالجيا وتطور التكنولوجيا.
وتكشف التجارب السابقة أن الجمهور المغربي والعربي عموما، يتفاعل بقوة مع هذا النوع من العروض. فالإقبال الجماهيري الكبير على حفل أم كلثوم، والتوقعات المرتفعة لحفل عبد الحليم، يعكسان رغبة في استعادة رموز فنية شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية.
غير أن هذا القبول ليس مطلقا، فهناك فئة من النقاد والجمهور ترى أن الهولوغرام، مهما بلغ من دقة، يظل محاكاة تفتقر إلى "روح اللحظة" التي تميز الحفل الحي. كما يُخشى أن يتحول الأمر إلى استثمار تجاري مفرط في إرث فنانين راحلين، دون مراعاة كافية لقيمتهم الرمزية أو لمشاعر ذويهم.
في المقابل، يدافع مؤيدو هذه التقنية عن كونها وسيلة حديثة لصون التراث الفني وتعريف الأجيال الجديدة به، خاصة في زمن تتغير فيه أنماط الاستهلاك الثقافي بسرعة. فبدل أن تبقى الأعمال حبيسة الأرشيف، يُعاد تقديمها في صيغة معاصرة تواكب تطلعات الشباب.
وتعكس حفلات الهولوغرام في المغرب تحولا أعمق في علاقة المجتمع بالفن والذاكرة. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة عرض، بل أصبحت وسيطا لإعادة تشكيل الماضي وإعادة إنتاجه في الحاضر. وبينما تفتح هذه الإمكانية آفاقا واسعة للإبداع، فإنها تفرض في الوقت ذاته مسؤولية أخلاقية وقانونية كبيرة.
وسيظل نجاح هذه التجارب في المغرب رهينا بتحقيق توازن دقيق بين الابتكار واحترام الإرث، وبين حق الجمهور في الحلم وحق العائلة في صون صورة فقيدها، وبين سحر التقنية وصدق الفن. وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال ما إذا كان الهولوغرام قادرا على إعادة الفنان إلى الحياة، بل ما إذا كان قادرا على إعادة الإحساس ذاته الذي صنع مجده في المقام الأول.