عبدالحي العراقي يعرّي في 'شهر العسل' هشاشة العلاقات الزوجية

المخرج يستعرض في دراما اجتماعية بوليسية تحول علاقة زوجتين من الصراع إلى التضامن لمواجهة الظلم العائلي مراهنا على الأداء النسائي الاستثنائي رغم بعض الهنات في الإيقاع.

يعود المخرج المبدع عبدالحي العراقي إلى الشاشة الصغيرة، في اواخر شهر رمضان المبارك لعام 2026، حاملا معه عملاً تلفزيونياً يُعد من أبرز الإنتاجات الرمضانية  الجديدة، إذ يحمل العمل عنوان "شهر العسل"، وهو دراما اجتماعية مكثفة من إنتاج A2L الشهيرة التي أثبتت جدارتها مراراً من خلال أعمال سابقة ناجحة، بعد النجاح المدوي لأعمال مثل "علي يا علي" و"قلب كريم" وسلسلة "مقطوع من شجرة" والفيلم السينمائي " فاس55 "التي أصبحت ظاهرة جماهيرية حقيقية، ويطرح عبد الحي العراقي هذه المرة عملاً يجمع بين التشويق الدرامي العائلي والحس الإنساني الرهيف.

يؤسس هذا الشريط التلفزيوني منذ بدايته فضاءً دراميًا مشحونًا بالتوتر النفسي والاجتماعي، مستفيدًا من خصوصية الإنتاج التلفزيوني الذي يفرض تكثيفًا نسبيًا للأحداث مع الحفاظ على الانسجام السردي، وذلك من خلال طرح فكرة العلاقة الزوجية المختلة كنقطة انطلاق. فهو يبرز التدرج النفسي والضغط العاطفي بخطوات مدروسة، ويبين قدرة الشخصيات النسائية على التفاعل مع هذا الواقع المعقد، ليمنح العمل بعدًا نفسيًا قويًا، ويراهن الشريط على التفاصيل اليومية الدقيقة عوض الأحداث الصاخبة، ثم يمهد هذا التأسيس لانفجارات درامية لاحقة منطقية وغيرمفتعلة، فضلاً عن ذلك يشعر المشاهد منذ البداية بأنه أمام تجربة إنسانية معقدة تتجاوز الطرح السطحي المعتاد. 

ويطوّر الشريط حبكته عبر إدخال شخصية زهرة، التي تؤديها إيمان البدراوي، كعنصر مفصلي يعيد تشكيل العلاقات داخل البيت، إذ يبرز قدومها كيف يمكن لحدث بسيط أن يكشف اختلالات كامنة بدل أن يحقق الاستقرار المتوقع، ويعمّق العمل التوتر النفسي، في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة العنف ويُجبر الشخصيات على إعادة تقييم مواقعها، كما يعرض أداء منى لمكيكل بعدًا إنسانيًا لشخصية السعدية، التي تنتقل من موقع السلطة إلى موقع الشريكة في المعاناة، وهذا التحول يكشف قدرة السيناريو على بناء شخصيات ديناميكية غير جامدة، إضافة إلى ذلك يسهم التفاعل بين الزوجتين في خلق طبقة درامية غنية تتجاوز الصراع التقليدي، إلى جانب ذلك يمهد لتشكل تحالف غير متوقع يحمل أبعادًا إنسانية عميقة. 

ويحوّل الشريط العلاقة بين الزوجتين من التوجس والحذر إلى تضامن تدريجي يُعد من أبرز نقاط قوته، وهذا التحالف يُبنى على تراكمات نفسية تجعل التقارب مقنعًا ومؤثرًا، حين تواجه الزوجتان الظلم معًا بطريقة منطقية، ويجسد هذا المسار قوة التضامن النسائي في مواجهة سلطة قمعية داخل فضاء مغلق، كما يضيف بعدًا إنسانيًا يعزز ارتباط المشاهد بالشخصيتين، وثم يكشف العمل قدرة على كسر الصور النمطية المرتبطة بعلاقات الزوجات، فضلاً عن ذلك يمنح هذا التحالف ثقلًا عاطفيًا للسرد، إضافة إلى ذلك يمهد لتصعيد أكثر توترًا مع تطور الأحداث. 

ويفجر حدث وفاة "سي محمد" المفاجئة مسار الشريط، إذ يتحول العمل من دراما اجتماعية إلى فضاء أكثر تشويقًا وغموضًا، وهذا التحول يعيد ترتيب موازين القوى داخل السرد، ويفتح المجال أمام تعدد الاحتمالات والشكوك، ويكثف العمل التوتر بعد هذه اللحظة، وهذا يمنحه إيقاعًا أكثر ديناميكية، ويبرز هذا المنعطف قدرة السيناريو على تجديد نفسه ضمن نفس العمل التلفزيوني، ويمهد لدخول خط التحقيق كعنصر أساسي في البناء الدرامي، ويجعل المشاهد يدرك أن كل ما سبق كان تمهيدًا لهذه اللحظة المفصلية، لتدخل الحبكة في مرحلة أكثر تعقيدًا وغموضًا. 

ويعزز خط التحقيق حضور البعد البوليسي، إذ يقود المفتش محمد الحسوني عملية كشف الحقيقة. وكان يُفترض أن يشكل هذا الخط عنصر توازن، لكنه يتأثر بأداء مبالغ فيه يحوّل بعض اللحظات الجادة إلى مشاهد أقرب إلى الهزل غير المقصود. هذا الاختلال يضعف الإيهام الدرامي ويخلق فجوة مع النبرة العامة للشريط، ويكشف غياب انسجام في التوجيه الإخراجي بين الشخصيات المختلفة. ويقلل هذا الجانب من قوة الخط البوليسي مقارنة بباقي الخطوط الأكثر نضجًا، ويفقد الأداء المتوقع للمحقق هيبته في عالم مشحون بالغموض، وهو ما يشكل أحد أبرز نقاط الضعف التي أثرت على توازن العمل. 

ويعرض الشريط إضافة نوعية من خلال شخصية ياسمين، التي تؤديها أروى أكبور، باعتبارها عنصرًا حاسمًا في فك اللغز. هذا التقديم يكسر الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة، إذ تظهر كشخصية ذكية وشجاعة وفعالة. ويضيف حضورها بعدًا إنسانيًا وتقدميًا يعزز قيمة العمل، ويساهم تفاعلها مع مجريات التحقيق في دفع الأحداث نحو كشف الحقيقة. ويبين السيناريو من خلالها أهمية الذكاء والملاحظة بدل القوة الجسدية، ويمنح هذا الدور نفسًا جديدًا للخط البوليسي، ويعزز تنوع الشخصيات وعمقها داخل السرد التلفزيوني. 

ويواجه الشريط مشكلة بطء الإيقاع، التي تركت فراغات بين المشاهد وأدت إلى بعض الملل، نتيجة عدم توظيف موسيقى تصويرية منسجمة مع تطور الأحداث، إضافة إلى طول مدة الفيلم مقارنة ببساطة الفكرة. هذا البطء يفقد العمل قدرته على الحفاظ على التوتر النفسي المطلوب، ويضعف غياب الموسيقى التصويرية تأثير اللحظات الحاسمة، كما يجعل بعض المشاهد تمر دون أثر عاطفي ملموس. ويظهر هذا الجانب الحاجة إلى ضبط الإيقاع وتوظيف الصوت لتعزيز الانغماس الدرامي. كما يبرز طول مدة الفيلم كعامل إضافي يضاعف إحساس الملل، ويؤثر بشكل مباشر على تجربة المشاهدة، وهو ما يؤكد أن الموسيقى والاقتصاد الزمني عنصران أساسيان في نجاح الشريط التلفزيوني. 

وتتألق مونية لمكيكل في أداء استثنائي يُعد من أجمل وأعمق ما قدمته في مسيرتها الفنية الطويلة، تشخص الحاجة السعدية بكل طبقاتها النفسية المعقدة: امرأة مكسورة تحت وطأة سنوات طويلة من الإيذاء المستمر، لكنها تحتفظ في أعماقها بشرارة قوة صامتة تنفجر تدريجياً مع تطور الأحداث، وتعابير وجهها وحدها كفيلة بإيصال آلاف الكلمات غير المنطوقة: الصمت المؤلم الذي يخفي الألم، النظرة الخائفة التي تتحول ببطء إلى تحدٍّ، ثم الدموع المكبوتة التي تنفجر في لحظات التحرر، فأداء مونية لمكيكل هنا يتجاوز التمثيل التقليدي  لأنه تشخيص حياً لمعاناة آلاف النساء في مجتمعاتنا، وصمودهن الصامت الذي يتحول إلى قوة تغيير، ويصل هذا الأداء مباشرة إلى القلب، ويجعل المشاهد يعيش كل لحظة معها، متألماً ثم متفائلاً.

وتسرق ليلى فضيلي الأضواء بدور حادة الخادمة الوفية والصديقة الحقيقية والمخلصة، الداعمة الصامتة التي تقف إلى جانب السعدية في أحلك اللحظات دون تردد، إذ تشخص ليلى فضيلي الدور بطبيعية قوية تجعل الشخصية تبدو حقيقية تماماً، دافئة ومؤثرة في آن واحد، كما تضيف فضيلي لمسة إنسانية عميقة وسط جو من التوتر والعنف الدائم، يجعل العمل أكثر توازناً عاطفياً، فدورها يذكرنا بأهمية الشخصيات الثانوية التي تسرق الأضواء بصدقها، ويثبت مرة أخرى أن ليلى فضيلي من أبرز الممثلات القادرات على تحويل أي دور إلى لحظات دعم معقولة.