'عبور' لمحمد رويس.. رحلة في متاهات البحث عن الذات
تنطلق رواية "عبور" للكاتب التونسي محمد رويس من مأساة الهجرة غير الشرعية لتلقي بنا في بحر من الأسئلة الوجودية حول معاني الغربة والاغتراب: ما معنى أن تشعر بالغربة وأنت في بلدك بين أهلك، عائلتك، أصدقائك وأحبابك. هل يعقل أن يكون الإنسان غريبا في وطنه ويجد ذاته بعيدا عنه؟ أليس الوطن هو الهوية؟ هل هو المكان الذي يولد فيه، أم المكان الذي يشعر فيه بالأمان والانسجام؟
يقترن مفهوم الغُربة عادة بالابتعاد الجغرافي عن الوطن والأهل، لكنّ الرواية، الصادرة عن دار خريّف للنشر سنة 2025، تطرح سؤالا أعمق وأقسى: ماذا لو سكنت الغربة روح الإنسان وهو بين أهله، في مدينته التي يعرف تفاصيلها، وبين وجوه اعتاد رؤيتها؟
تتناول الرواية هذا الإحساس المعقّد لتكشف أن الاغتراب قد يكون داخليا أكثر منه خارجيا، وأن الإنسان قد يشعر بالغربة حتى وهو في بيئته، كلما فقد الشعور بالانتماء أو فقد التواصل مع من حوله. وفي المقابل، قد يجد المرء راحته في بلد بعيد، بين غرباء، ما دام يشعر فيه بالقبول أو يتحرر فيه من القيود التي تكبّله.
بين هذين النقيضين — الغربة داخل الوطن، والراحة خارجه — تأتي رحلة "عبور" شكري وسعيد. رحلة مزدوجة، حيث يعيد الكاتب رسم حدود الهوية عبر شخصيتين متناقضتين، كلتاهما تبحثان عن معنى لكنهما تسلكان طريقين متعاكسين.
ضفّة الأحلام البعيدة
يصدّر محمد رويس روايته، التي جاءت في 188 صفحة، بإهداء يختزل الحيرة التي يعيشها أبطال الرواية ''كلّ من احترقت نفسه يوما بوجع الرحيل إلى ضفّة الأحلام البعيدة، باحثا عن نفسه في الزحام"، لكن أين تكمن ضفّة الأحلام البعيدة، هل هي حقّا وراء البحر الذي يلقي الآلاف من الشباب يوميا بأنفسهم به مع فرص نجاة ضئيلة، أم هي هنا قريبة حيث ولدنا، وحيث عائلتنا وأحبابنا، لكن تمردنا الداخلي يمنعنا من رؤية ذلك؟
بنفس الروح الباحثة عن المكان/الذات، يصدّر الكاتب بقية فصول راويته بمقتطفات من كتابات الروائي الجزائري واسيني لعرج. فاختار أن يستهل الفصل الأول بقوله: "من الصعب أن تترك مكانا قضيت فيه جزءا من عمرك وهو من أجمل ما يمكن أن يحصل لك في حياتك، ومع ذلك بعض الجروح والأمراض المستعصية تحتاج في الكثير من الأحيان إلى البتر والحسم، لأن الإبقاء عليها على حالاتها الأولى لا يمكنه إلا أن يزيد من قسوة الأشياء. آلام البتر أحيانا أهون من الأنين اليومي في مكان معزول ولا من يسمعك. ومع ذلك نحتاج إلى قدر من اليأس يفتح أمامنا كل المغالق مثل المقدم على الانتحار".
بينما تصدّر فصل الختام، هذا القول المختصر: "هناك أشياء فينا لا تموت أبدا، تظل تحفر فينا حتى آخر العمر، تمر عليها سيول الحياة والسنوات القلقة وتظل متشبثة على الأطراف".
وبين القولين الأول والأخير تتلخّص أحداث رحلة بحث البطل عن ذاته وضياعه بين الغربة والاغتراب بين مكانين وروحين. المكان الذي قضى فيه جزءا من عمره وعاش فيه قصة حبه التي يعتبرها أجمل ما حصل له في حياته، والمكان الذي تاق إليه وغامر من أجل الوصول إليه وحيث أمضى سنين كثيرة من شبابه وكوّن نفسه وتزوّج "عروس بحر فاتنة أقامت لي مراسم احتفال أسطوريّ رائع تهيّأ لي بعده أنّي قد صرت ملكا على هذا البحر ومن فيه".
أفق الواقعي الاجتماعي
يعتمد الكاتب لغة سردية بسيطة وجملا قصيرة وحوارات تخفّف من وطأة الأسئلة الوجودية العميقة التي تطرحها الرواية، خاصة وأن أحداثها مشبعة بواقعية موجعة تستلهم مأساة الهجرة غير الشرعية. ويكتب بعين راصدة تفاصيل أحداث مستمدّة من واقع مأساوي يستعيد هذه الظاهرة بما تحمله من وألم وأمل في نفوس الشباب.
وقد كتب الناقد نصر سامي في تقديم الرواية لافتا إلى أن "محمد رويس يتحرّك في جميع أعماله في أفق الواقعي الاجتماعي مع ميل للالتزام بقضايا بيئته... وها هو في روايته الجديدة يمضي قدما وبشجاعة ليواجه الإنسانيّ المهدّد بآفة الحرقة، لينفتح على حكايات مسكوت عنها، ليتابع عبر السرد الروائي حكاية أنموذجا يمتزج فيها الذّاتي مع المحلّي مع الإنساني".
على امتداد ثمانية فصول نعيش مع شكري رحلته منذ خطوته الأولى، التي لا يختار فيها الإنسان وطنه وعالمه وعائلته، مرورا بنشأته وما عاشه من مشاعر مع نرجس صديقة الطفولة وحبيبة الصبا والشباب، وصولا إلى قرار السفر إلى إيطاليا عبر أحد قوارب الموت، وما عاشه هناك من ضياع وتشرّد وجوع إلى أن استقر به الحال مع سيدة إيطالية مدت له يد المساعدة وتزوجته وعاش في كنفها سنوات اعتقد خلالها أنه وجد نفسه فيها ليعود إلى رحلة البحث عن الذات بعد موت الزوجة الإيطالية والرجوع إلى الوطن ولقاء حبيبة الطفولة والشباب.
وقد عاشت الحبيبة ''نرجس'' بدورها رحلة اغتراب لكن مختلفة، وذلك حين بحثت عن نسيان حبها بزواجها من رجل آخر لتكتشف بعد ذلك أن غربتها تضاعفت وأن إحساسها بالضياع يزداد عمقا ولا مجال من العودة إلاّ بـ"البتر"، والبتر في حالتها كان الطلاق الذي لم يكن نهاية بل خلاصا، طريقه كانت العودة إلى حبيبها.
سعيد.. البطل؟
في "عبور" يقدم محمد رويس شخصيتان متكاملتان تعكسان صراع الإنسان مع ذاته ووجوده، وما يمكن أن تحققه رحلة "العبور". من جهة، شكري الذي يسافر إلى إيطاليا عبر قارب الموت بحثا عن حياة أفضل، ويحقق حلمه، ليعود في النهاية لوطنه ويستقر مع حبيبته.
من جهة أخرى، نجد سعيدا، الشخصية المحورية الأخرى في الرواية؛ الذي ظل متمسكا بقاربه وببحره وقريته الصغيرة، معارضا بشدة للهجرة غير الشرعية، ولكنه في النهاية يختار الطريق نفسه لكن النهاية كانت مختلفة.
في حالة شكري الغربة ليست مجرد هروب، بل جسرا بين ضياع وانكشاف. وحين يعود إلى مدينته وحبيبته الأولى، يبدو كما لو أنه يعود إلى نفسه، بعد أن عرفها في مرآة أماكن أخرى وأزمنة أخرى وحبيبة أخرى.
في المقابل، يمثل سعيد الوجه الآخر لمعادلة الاغتراب. رغم ثباته الظاهر، حمل سعيد في داخله قلقا أشدّ من قلق شكري، حتى انتهى به المصير في النهاية غريقا، مفارقة مؤلمة تكشف أن الاغتراب الحقيقي قد لا يكون في الهجرة بل في الجمود. يموت سعيد الصياد الذي خبر البحر في رحلة هجرة سرية، كأنّ هذا البحر/صديقه الذي أقسم على الوفاء له وأن ألّا يعبره نحو الضفة الأخرى، هو الذي ابتلعه حين قرر عبوره أخيرا.
هكذا تبدو الرواية كأنها تفضح المفارقة المؤلمة: من يهرب من وطنه قد يجد ذاته في الغربة، ومن يبقى متمسّكا بالمكان قد يضيع فيه. في الغربة قد يكتشف الإنسان ذاته فيعود إلى وطنه سعيدا أما البقاء دون المحاولة والسعي فقد تكون نتيجته التفتّت.