عدوان جوي وبري مستمر لا يترك للنازحين مكانا آمنا في غزة
القاهرة/غزة - تقدمت الدبابات الإسرائيلية إلى عمق بلدة في وسط قطاع غزة اليوم الخميس بعد أيام من قصف بلا هوادة أجبر عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية النازحة أصلا على شد الرحال في موجة نزوح جماعي جديدة.
ونشر صحفي فلسطيني صورا لدبابات إسرائيلية بالقرب من مسجد في منطقة البريج التي تعج بالمباني وتقدمت الدبابات على ما يبدو من بساتين على المشارف الشرقية للمنطقة.
وإلى الجنوب قصفت القوات الإسرائيلية المنطقة المحيطة بمستشفى في قلب مدينة خان يونس، المدينة الرئيسية بجنوب قطاع غزة، حيث يخشى السكان من توغل بري جديد داخل الأراضي المكتظة بالعائلات التي شردت خلال الحرب المستمرة منذ 12 أسبوعا.
وقالت السلطات الصحية الفلسطينية إن 210 فلسطينيين تأكد مقتلهم جراء الهجمات الإسرائيلية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية ما يرفع عدد قتلى الحرب إلى 21320 شخصا، أو ما يساوي تقريبا واحدا بالمئة من سكان القطاع. ويُخشى أن آلافا آخرين من القتلى مدفونون تحت الأنقاض.
وصعّدت إسرائيل حربها البرية في غزة منذ عشية عيد الميلاد على الرغم من المناشدات العلنية من الولايات المتحدة أقرب حلفائها، لتقليص الحملة في الأسابيع الأخيرة من العام.
وشنت حربها للقضاء على حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) التي تدير قطاع غزة بعد توغل مقاتليها إلى بلدات إسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وتقول إسرائيل إن ذلك الهجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 240 رهينة.
وينصب التركيز الرئيسي للقتال الآن على مناطق الوسط الواقعة إلى الجنوب من وادي غزة الذي يقسم القطاع حيث أمرت القوات الإسرائيلية المدنيين بالإخلاء مع تقدم دباباتها.
ويتجه عشرات الآلاف من النازحين من مناطق النصيرات والبريج والمغازي في وسط غزة جنوبا أو غربا اليوم الخميس إلى مدينة دير البلح المطلة على البحر المتوسط والمكتظة بالفعل، ويتكدسون في مخيمات بنيت على عجل من الخيام المؤقتة.
وقالت وكالة غوث وتشغل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) في منشور على منصات التواصل الاجتماعي إن "أكثر من 150 ألف شخص - أطفال صغار ونساء يحملن أطفالا وأشخاص ذوي إعاقة وكبار السن - ليس لديهم مكان يذهبون إليه".
وقال سكان ومسلحون إن الجزء الشرقي من البريج كان مسرحا لقتال عنيف صباح اليوم الخميس مع توغل الدبابات الإسرائيلية من الشمال والشرق.
وقال عمر (60 عاما) الذي أوضح أنه اضطر للنزوح مع ما لا يقل عن 35 فردا من عائلته "لقد أتت تلك اللحظة، كنت أتمنى ألا تحدث أبدا، ولكن يبدو أن النزوح أصبح لا بد منه".
وقال لرويترز عبر الهاتف رافضا نشر اسم عائلته خوفا من الانتقام "نحن الآن في خيمة في دير البلح بسبب هذه الحرب الإسرائيلية الوحشية"، مضيفا "إسرائيل تقتل الأطباء والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيين والمدنيين".
وقال يامن حمد الذي يعيش في مدرسة في دير البلح منذ نزوحه من الشمال، إن اللاجئين الجدد الذين يصلون من البريج والنصيرات ينصبون الخيام أينما يجدون مساحة لذلك.
ومع نفاد الطعام، قال إنه قام برحلة محفوفة بالمخاطر إلى رفح بالقرب من الحدود المصرية لشراء كيس من الطحين يزن 25 كيلوغراما لأسرته.
وتعرضت خان يونس التي تقدمت فيها القوات الإسرائيلية هذا الشهر بعد انهيار هدنة استمرت أسبوعا، لقصف عنيف منذ صباح اليوم الخميس من طائرات حربية ودبابات بالقرب من مستشفى الأمل الواقع إلى الغرب من مواقع التمركز الإسرائيلية.
وقال الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يدير المستشفى ويقع مقره الرئيسي في مكان قريب، إن عشرة فلسطينيين قتلوا وأصيب 12 في قصف هناك وهو الهجوم الثالث الذي يستهدف المنطقة المحيطة بالمستشفى في أقل من ساعة.
وقال سكان إنهم يعتقدون أن القوات الإسرائيلية تحاول خلق نزوح جماعي جديد قبل هجوم بري جديد في المدينة.
وعلى مسافة ليست ببعيدة من الأمل، يقع مستشفى ناصر، وهو المستشفى الرئيسي في خان يونس والأكبر الذي لا يزال يعمل في القطاع. وهناك كانت النساء والأطفال يصرخون أثناء إحضار القتلى والجرحى.
وكان طفل رضيع يرقد بلا حراك على سرير أطفال بينما يحاول المسعفون إفاقته. وأثناء ذلك أومأ أحد الأطباء برأسه "لا"، في إشارة إلى وفاة الطفل.
وأمسكت امرأة بفتاتين تنتحبان ويغطيهما الغبار بجوار سرير بينما كان يرقد طفل ملفوف في كفن أبيض ملطخ بالدماء بالقرب من قدمي جثة أخرى ملفوفة في بطانية.
وأعلنت إسرائيل عن مقتل ثلاثة آخرين من جنودها في القتال في المناطق الوسطى والجنوبية، ليصل عدد الجنود القتلى في الحملة البرية إلى 169. وشهد الأسبوع المنصرم قدرا من أكبر خسائرها في الحرب حتى الآن.
وأجبر جميع سكان غزة تقريبا على ترك منازلهم مرة واحدة على الأقل، واضطر العديد منهم إلى النزوح عدة مرات. ولا يوجد سوى القليل من المستشفيات يعمل.
وذكرت مصر التي اضطلعت بدور الوسيط واستضافت رئيس المكتب السياسي لحماس الأسبوع الماضي، أنها قدمت مقترحا لإنهاء إراقة الدماء، بما في ذلك خطة تتألف من ثلاث مراحل لوقف إطلاق النار، لكنها لم تتلق بعد أي ردود من الأطراف المعنية.
وتقول إسرائيل إنها لن توقف حملتها البرية في غزة حتى تقضي على حماس التي تسيطر على القطاع. وقالت تشين ألموج جولدشتاين التي أطلق سراحها الشهر الماضي بعد احتجازها هي وثلاثة من أبنائها لمدة 51 يوما لدى حماس، إن القلق يساورها على من تبقى من الرهائن خصوصا النساء اللائي قالت إن بعضهن تعرضن لاعتداءات جنسية على يد محتجزيهم. وأضافت أن حماس قتلت زوجها وإحدى بناتها.
وتابعت "إنه جحيم هناك"، مضيفة أن الرهائن المتبقين "يحاولون الإبقاء على معنوياتهم مرتفعة، لكن حينما أُطلق سراحنا كانوا متوترين بالفعل". وتنفي حماس إساءة معاملة الرهائن أو الاعتداء عليهم جنسيا وهو ما أكده عدد من الرهائن المفرج عنهم خلافا للرزاية الرسمية أو رواية جولدشتاين.
ويقول فلسطينيون إن القضاء على حركة حماس التي تعهدت بتدمير إسرائيل منذ عقود، هدف لا يمكن تحقيقه نظرا لهيكل الجماعة المسلحة المنتشر وجذورها العميقة في الأراضي التي تديرها منذ عام 2007.
لكن حلفاء إسرائيل الغربيين يشعرون بالقلق من أن الخسائر البشرية الهائلة في صفوف المدنيين ستؤدي إلى تطرف جيل جديد من الفلسطينيين ونشر القتال إلى مناطق أخرى في أنحاء الشرق الأوسط.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، هاجمت جماعات مدعومة من إيران القوات الأميركية في العراق والسفن التجارية في البحر الأحمر. وحذر الرئيس الأميركي جو بايدن هذا الشهر من أن "القصف العشوائي" يعرض التعاطف مع إسرائيل بين حلفائها للخطر. وقالت واشنطن علانية إن على الحكومة الإسرائيلية أن تنتقل من حرب برية واسعة النطاق إلى حملة تستهدف زعماء حماس.