علم الاجتماع النقدي يقلل الاعتماد على النظريات الكلاسيكية الكبرى

الدكتور مجد الدين خمش يركز في كتابه على 'علم الاجتماع والمجتمع: من المحافظة والتقليد إلى الابتكار والتجديد'.

عمان - يعتبر علم الاجتماع النقدي من التطورات المعاصرة الرئيسية في علم الاجتماع، ويشكل التيار السوسيولوجي السائد حاليًّا. ويركّز ممثلو هذا التيار السوسيولوجي النقدي المعاصر -كما يتضح من تحليلات الكتاب- وعلى رأسهم ألفن جولدنر، وتشارلز رايت ميلز، وأنتوني جيدنز، وزيغمونت باومان، وهربرت ماركوز، ويورغن هابرماس، وميشيل فوكو، وبيير بورديو على ضرورة تقليل الاعتماد على النظريات الكلاسيكية الكبرى، خصوصًا البنائية الوظيفية والماركسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية التي تمجد سطوة المؤسسات الاجتماعية والثقافية وسلطاتها التي تقيّد الأفراد وتنمّطهم، وتغلّفُ وعيهم.

كما يطالبون بضرورة تقليل الاعتماد على هذه النظريات الكبرى في تحليلاتهم للمجتمع المعاصر والتوجّه بدلاً عن ذلك لابتكار أُطرًا تصورية جديدة لتطوير وعيهم وقدرتهم على تفسير المجتمع المعاصر وواقعه الحياتي آخذين بعين الاعتبار تأثيرات وعيهم الذاتي ومشاعرهم، ومواقفهم وهم يتأملون جوانب الأزمة في علم الاجتماع المتمثلة بجمود مفاهيم ومقولات النظريات الكلاسيكية القديمة، وقدرتها على تقديم تفسيرات نظريّة جديدة لجوانب هذا المجتمع وقواه الفاعلة، ودور التفسيرات الفردية للظواهر الاجتماعية في استقرار البناء وتغيّره، وإدخال تعديلات عليه، وتفاعلات النظام العالمي بمستوياته المتعدّدة، وتعاظم انتشار العولمة والعولمة الثقافيّة.

ويعمل هذا التيار السوسيولوجي أيضًا على ربط علم الاجتماع بالتحولات المعاصرة في المجتمع الحديث وما بعد الحديث، والاهتمام بدراسة الدولة وعلاقتها بالطبقات والأسواق، والإعلام والحركات الاجتماعية والدين والتدين والتفسيرات الشعبية للدين، والحياة الحضرية والأسرة، والإثنية والتنوع الاجتماعي، وإدارة الانطباع في الحياة اليومية، والثقافة والفنون، والنشاطات الرياضية والهُويّة والمواطنة، والمدن والفضاءات الحضريّة والنمو السكاني، والأزمة الإيكولوجيّة، والسياسات العامة لاستدامة البيئة، وتطور الرأسمالية والعولمة الثقافية.

ويتم امتداح نشوء النظريات الجديدة التي تركّز على مستوى التفاعل في الحياة اليوميّة وتفسّر دور الفاعلين الاجتماعيين الواضح في خلق المعاني المشتركة والتفسيرات الذاتيّة للأحداث والعلاقات وأنفسهم التي تتحوّل إلى توافقات جماعية، ثم إلى معايير مشتركة تُنشأ أبنية اجتماعيّة، وتعدّل أبنية أخرى، وتتحدى البناء الكلي واستقراره، وقد تؤدي إلى تعديله وفق هذه التفسيرات والمعاني المشتركة للأفراد مدعّمين في ذلك مواقف ونظريات اليسار الجديد، خصوصًا مدرسة فرانكفورت التي رفضت الحتميّة الواضحة في الماركسيّة، وتركيزها على العمليات التاريخيّة الكبرى مهملة بذلك جوانب وعمليات مهمة في الحياة اليوميّة المعاصرة للأفراد والجماعات، مثل دور المثقفين وطلبة الجامعات، واللغة والمفاهيم اللغويّة، والفنون والثقافة، والمجتمع المدني، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي مؤخرًا في قيادة التغيير بعد أن فقدت طبقة البروليتاريا دورها الثوري الذي أُعطي لها في النظريّة الماركسيّة التقليدية.

ويطلق على نظريات هذا التيار أحيانًا "علم الاجتماع الفهمي"، أو "التأويلي" وهو -كما يُبرز الكتاب- تحليل المجتمع المعاصر في بعده الحياتيَ كواقع يومي معيش، بحيث يتواجد مع الناس في عالم الواقع اليومي الذي يتكوّن من أحداث وتفاعلات صغرى ذات دلالات مشتركة، مثل اللغة والكلمات، والمحادثات، والانفعالات، والخصومات، والإيماءات، والأزياء، والمصالح الخاصة والعامة، وحياة الجماعات الموحدّة حول رموز مشتركة، فهي التي تتحوّل إلى توافقات ومعايير مشتركة، وظواهر وأبنية اجتماعيّة قابلة للتعديل والتغيير ضمن رؤيا إصلاحيّة أخلاقيّة تضمن الديمقراطية والمساواة والخير للجميع. ودراسة الحياة الاجتماعيّة بهذا الشكل تُبرز لنا القدرات الابتكارية للأفراد على مستوى الأقوال والأفعال وإعادة تشكيل الواقع في الحياة اليومية بما يعبّر عن حاجاتهم، وهُوياتهم المشتركة.

ويقع الكتاب الصادر عن دار الصايل للنشر في عمّان في 474 صفحة من القطع الكبير، ويتكون من سبعة فصول، وهي: نشوء وتطوّر علم الاجتماع: إسهامات عربيّة وغربيّة، وبنية الظاهرة الاجتماعيّة والقوانين التي تخضع لها في وجودها وتغيّرها، والبناء الاجتماعي ونظرياته عند علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعيّة، والعلاقات الاجتماعية، أشكالها ووظائفها في المجتمع العربي المعاصر، وبنية ووظائف النظم الاجتماعيّة، والتغيّر الاجتماعي والتنمية والتحديث، والسياسة الاجتماعيّة عند علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعيّة، والتطوّرات المعاصرة في علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية ونشوء وتطوّر علم الاجتماع النقدي.