على نوري المالكي تفحص الأجواء قبل الخروج من منزله!
في تقرير مثير وبأسلوب غير مسبوق، كشفت صحيفة "نيويورك صن" الأميركية في تقرير لها (9 فبراير/شباط الحالي)، عن أوراق الرئيس دونالد ترامب تجاه العراق، في حال مضي الإطار التنسيقي الشيعي في ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة.
وتنقل الصحيفة المرموقة، عن مديرة "مبادرة العراق" في المجلس الأطلسي، فيكتوريا تايلور، إنها ترى أن تهديد ترامب يعكس استعداد الإدارة لاستخدام ضغوط أشد على الحكومة العراقية للحد من النفوذ الإيراني، فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً كبيراً في العراق، ليس سياسياً فحسب بل اقتصادياً أيضاً، والتهديد بفرض عقوبات أو إغلاق حساب بغداد في الاحتياطي الفدرالي يُعد من أدوات الضغط المهمة، الأمر الذي يعني شللاً مالياً يصيب الاقتصاد العراقي في عمقه.
تقرير الصحيفة، يستعيد مرحلة يعتبرها كثير من صانعي القرار الأميركيين صفحة طويت، لكنها عادت لتطل برأسها بعد ترشيح المالكي، حيث تصفها الصحيفة بـ"كابوس" لمن اعتقدوا أن العراق تجاوز تلك المرحلة. فتجربة المالكي ارتبطت في الذاكرة الأميركية، بسياسات طائفية وإقصائية أضعفت المؤسسات العراقية التي تقول واشنطن إنها أنفقت قرابة مئة مليار دولار لبنائها، حيث تتهمه الدوائر الأميركية بتوظيف "اجتثاث البعث" كأداة لمنع أحزاب عدة وإسقاط ترشح أكثر من 450 مرشحاً من انتخابات 2010 وحدها، واعتقال سياسيين سنة بارزين، وقمع احتجاجات سلمية.
أما الباحث البارز في معهد "أميركان إنتربرايز"، مايكل روبن، فيذهب أبعد من ذلك، حيث يرفض التقليل من تهديدات ترامب، مؤكداً على أنه لا يُنظر إليها على أنها رمزية، ويقول إن سياسيين موالين لإيران وقادة ميليشيات يسيلون أصولهم وينقلون مئات الملايين من الدولارات نقداً إلى منازلهم، ويبدلون مساكنهم وسياراتهم وهواتفهم دورياً.
بل إن روبن يذهب إلى حد القول إن المالكي يهيئ نفسه للسقوط، ويقترح بسخرية لاذعة أنه ربما يكون من الأفضل له أن يتظاهر بأزمة صحية أو نوبة قلبية ليحفظ ماء وجهه ويتنحى.
أما السيناريو الأسوأ، بحسب روبن، فهو ليس سياسياً فحسب، بل أمني أيضاً، فهو يحذر من أنه "إذا أصبح المالكي رئيساً للوزراء مجدداً، فعلى العراق أن يستعد للقصف، وسيتعين عليهم متابعة توقعات الطائرات المسيرة وتفحص السماء قبل الخروج".
المواجهة بين ترامب والمالكي – كما يشرحها التقرير – ليست مجرد خلاف حول اسم رئيس حكومة، وإنما هي اختبار لنفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
تايلور ترجح أن الضغط سيُفشل الترشيح، معتبرة أن الاعتراض القوي والعلني جداً من الرئيس ترامب سيجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، المضي في ترشيح المالكي، خصوصاً مع وجود اعتراضات سنية وداخلية، وتختم بفكرة حاسمة: إن العلاقة الأميركية – العراقية مهمة جداً لدرجة لا يمكن للعراق التضحية بها من أجل هذا الترشيح.
أما روبن فيقترح خياراً عملياً لواشنطن "أفضل ما يمكن للولايات المتحدة فعله هو البدء بلقاء منافسين آخرين بهدوء، وهم كثر، وإن كان عدد قليل منهم فقط يحظى بمباركة من النجف".
إن التحذيرات التي تنقلها دوائر بحثية مثل المجلس الأطلسي على لسان فيكتوريا تايلور، وكذلك الطروحات الأكثر حدة التي قدمها مايكل روبن من معهد أميركان إنتربرايز، لا يمكن قراءتها بوصفها آراءً فردية عابرة في فضاء إعلامي، بل هي تعبير واضح عن مزاج مؤسساتي تشكل في واشنطن تجاه العراق، وحين تتطابق هذه الأصوات مع ما ينسب إلى رسائل الإدارة الأميركية للساسة العراقيين (كما كشفها رئيس مجلس النواب الاسبق محمد الحلبوسي في الرابع من الشهر الجاري)، فإن الأمر يغدو أبعد من جدل حول اسم رئيس حكومة، وإنما يتحول إلى اختبار صريح لإرادة واشنطن وحدود نفوذها في بغداد.
ومن خلال قراءة سلوك الإدارات الأميركية، فإن تكاثر الإشارات العلنية بالتوازي مع تسريب الرسائل الخاصة يعني أمراً واحداً، مفاده أن مرحلة التحذير أوشكت على نهايتها.. ومرحلة الحساب دخلت بثقلها الكامل.