فخّ الهدنة المؤقتة... هل دفع لبنان ثمن المقايضة الكبرى بين واشنطن وطهران

ما نعيشه اليوم ليس هدنة بقدر ما هو توزيع للخسائر. إيران تنكفئ لتحمي مركزها، واشنطن تعيد ترتيب أوراقها لجولات لاحقة وإسرائيل تستثمر اللحظة لفرض وقائع ميدانية دائمة.

في اللحظات التي ترتفع فيها نخب الانتصارات الوهمية في واشنطن وطهران، يدخل الشرق الأوسط مرحلة غامضة تحت عنوان هدنة، لا تعكس سلاماً حقيقياً، فما كُشف من تفاصيل اتفاق إسلام آباد، وما ترافق معه من تصعيد ميداني في بيروت والبقاع والجنوب، ينفي سريعاً وجود تهدئة حقيقية، إذ تبدو هذه الهدنة أقرب إلى عملية إعادة ترتيب للمصالح، أُعيد فيها رسم حدود النفوذ وتقاسم الأرباح على حساب دماء الشعب اللبناني. فالوقائع التي بدأت تتضح تشير بوضوح إلى أننا أمام مقايضة كبرى، لا تسوية، حيث يُباع الحلفاء ويُعاد توزيع الأدوار وفق موازين القوّة.

كما يُظهر السلوك الإيراني تخلّيه عن أحد أهم مرتكزاته الخطابية وهي وحدة الساحات، فطهران، التي طالما قدّمت نفسها كقائدة لمحور ممتد، اتخذت في لحظة الضغط الوجودي قراراً استراتيجياً بحماية نفسها حتى لو أدى ذلك إلى التخلي عن حلفائها.

إن قبولها الضمني بإخراج لبنان من مظلة التهدئة الفعلية، مقابل ضمانات تتعلق ببقاء النظام ودورٍ معاد تعريفه في إدارة مضيق هرمز، يكشف أن الحلفاء لم يكونوا سوى أدوات ضغط قابلة للاستهلاك. هكذا يتكرّس منطقها الجديد وهو النجاة الذاتية أولاً، حتى لو تضررت المناطق والحلفاء الأبعد.

وتتكشّف الأمور بوضوح أكثر عند التحوّل الذي أصاب مضيق هرمز، من منطقة صراع إلى مجال لتفاهمات اقتصادية وسياسية، فبينما تجد روسيا والصين نفسيهما على هامش تفاهمات لم تشاركا فعلياً في صياغتها، تنخرط طهران في مقاربة براغماتية تفتح الباب أمام تقاسم عوائد العبور الآمن والرسوم المرتبطة به مع واشنطن، في مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات.

وهنا، يُتعامل مع الأمن القومي كملف قابل للمساومة، وتصبح الممرات المائية آليات إدارة ذات طابع تجاري، تُدار بمنطق الربح والخسارة، لا بمنطق السيادة. فيما يُترك لبنان خارج هذه الحسابات ليصبح طرفاً يتحمل النتائج دون مشاركة في القرار.

أما الحديث عن هدنة، فيبدو في ضوء الوقائع الميدانية أقرب إلى وصف غير دقيق. ما يجري لا يشبه التهدئة بقدر ما يعكس توقفاً مؤقتاً لإعادة التنظيم. التحركات العسكرية في شرق المتوسط، وتبدلات انتشار القوات، توحي بأن واشنطن تستثمر هذا التوقف المؤقت لإعادة ترتيب قائمة الأهداف، مستفيدة من تحييد إيران نسبياً. وفي هذا السياق، يكتسب التصعيد الإسرائيلي في لبنان معنى مختلفاً، فهو ليس مجرد ردع، بل عملية ممنهجة لتفكيك البنية التحتية وفرض واقع جغرافي جديد، في ظل ضوء أخضر واضح يسمح بتحويل الجبهة اللبنانية إلى ساحة مفتوحة لتصعيد لاحق.

وفي قلب هذه المعادلة، يجد لبنان نفسه خارج التفاهمات، فبينما كانت بعض القوى المحلية تراهن على شمولها بأي تفاهم إقليمي، جاءت الغارات العنيفة لتعلن بوضوح أن مسار طهران لم يعد يتقاطع مع مسار لبنان، فالقصف العنيف الذي حصل إبان الهدنة لا يهدف الى إلحاق الأذى فحسب، بل إلى تغيير الواقع الجغرافي والسياسي للبلد، وتحويله إلى كيان معزول، هش، وخارج أي تسوية مرتقبة. هنا، تتجلى نتيجة الاعتماد على الخارج: دولة عاجزة، فصائل مكشوفة، وشعب يُختزل إلى رقم في معادلة تفاوضية تُدار بعيداً عنه.

ولا تقف تداعيات هذا التحول عند حدود لبنان، فالمشهد برمّته يبعث برسائل مقلقة إلى دول الخليج، التي تكتشف أن أمنها لا يزال مرتبطاً بتفاهمات ثنائية متقلبة بين واشنطن وطهران. إن استهداف منشآت حيوية رغم إعلان الهدنة يطرح سؤالاً وجودياً حول جدوى الاتكال على مظلات خارجية، ويدفع نحو البحث الجدي عن بدائل تعيد تعريف مفهوم السيادة والأمن الإقليمي، بعيداً عن منطق الحارس المأجور للممرات والطاقة.

إنّ ما نعيشه اليوم ليس هدنة بقدر ما هو توزيع للخسائر. إيران تنكفئ لتحمي مركزها، واشنطن تعيد ترتيب أوراقها لجولات لاحقة، وإسرائيل تستثمر اللحظة لفرض وقائع ميدانية دائمة. وبينما يتقاسم الكبار عوائد الممرات الاستراتيجية، يواجه لبنان انهيار رهاناته السياسية، مدركاً متأخراً أن التحالفات التي لا تقوم على سيادة وطنية صلبة ليست سوى ترتيبات مؤقتة، تنهار عند أول اختبار حقيقي. وعندما تتضح نتائج هذه الهدنة، سيظهر بوضوح أن من فاوض قد نجا، ومن علّق مصيره على وعود الخارج وجد نفسه وحيداً، في مواجهة آلة تعتمد فقط على موازين القوة.