لبنان بين 'الوطن المستباح' وحلم 'الدولة الكاملة'... هل انتهى زمن الساحات؟
لم يعد لبنان اليوم مجرد بلد يعاني من أزمات عابرة، بل أصبح يقف على مفترق طرق وجودي مخيف. المشكلة لم تعد في نقص الخدمات أو تعثر الاقتصاد فحسب، بل في الصراع العميق بين منطقين لا يلتقيان: منطق "الدولة" التي تحاول لملمة سيادتها وقرارها، ومنطق "الدويلات" التي نمت وتغولت داخل جسد الوطن حتى أصبحت أقوى من السلطة نفسها. هذا الواقع المرير لم يسقط علينا من السماء، بل هو نتيجة سنوات من تغييب القانون لصالح قوى الأمر الواقع التي وجدت في ضعف الدولة بيئة مثالية لحماية نفوذها ومصالحها.
ومع سريان وقف إطلاق النار الحالي، نجد أنفسنا أمام "حقل ألغام" سياسي وعسكري، فبينما تحاول رئاسة الجمهورية والحكومة بدعم دولي وأميركي، فتح باب للمفاوضات المباشرة لإنهاء دوامة الحروب مع الجانب الإسرائيلي، يصطدم هذا التوجه بجدار حزب الله الرافض لأي تفاهمات من هذا النوع.
نحن أمام انقسام حاد يهدد بانفجار داخلي، خاصة وأن الحزب يلوح بالشارع والمواجهة لكل من يحاول تجاوز قراره. والمؤلم هنا، أن هذا الإصرار لا يبدو نابعاً من مصلحة لبنانية صرفة بقدر ما هو صدى لقرارات إقليمية تأتي من طهران، ما يجعل لبنان مجرد ورقة في "لعبة الثأر" الكبرى، ويضيق الخناق على أي محاولة للإنقاذ الوطني.
إن السيادة ليست مجرد شعارات تُرفع في الخطابات، بل هي قدرة الدولة على أن تكون هي "الآمر والناهي" داخل حدودها، فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، والتي تتنازعها مرجعيات متعددة، هي مجرد "هيكل كرتوني".
وما يزيد الطين بلة هو ما يتسرب عن "مذكرات تفاهم" تمنح إسرائيل حرية الحركة في سماء وأرض لبنان بذريعة الدفاع عن النفس؛ وهذا يعني بوضوح أن الحزب فشل في تأمين أبسط قواعد السيادة، ليجد اللبنانيون أنفسهم في وضع غريب: إيران تعقد هدنها مع واشنطن، ولبنان يبقى "ساحة مفتوحة" للاستهداف المستمر.
اليوم، يدفع المجتمع الدولي باتجاه تسويات كبرى تتجاوز فكرة الهدنة المؤقتة لتصل إلى حديث عن "معاهدات سلام" مدعومة عربياً، وتحديداً من المملكة العربية السعودية، بهدف انتشال لبنان من مستنقع الفتنة، لكن الحقيقة المرة هي أن الخارج لن يبني لنا وطناً إذا لم نمتلك نحن الإرادة.
المواطن اللبناني اليوم يسأل بمرارة: ماذا حصدنا من هذه الحرب؟ وهل لدى حزب الله الجرأة فعلاً للتحول إلى حزب سياسي تحت سقف الدولة والقانون؟
لقد دفعنا أثماناً باهظة من لقمة عيشنا ومستقبل أولادنا، وأثبتت التجارب أن السيادة والازدهار توأمان لا ينفصلان؛ فلا اقتصاد ينمو في غابة من السلاح، ولا قضاء يستقيم والقرارات مكبلة.
إن استعادة الدولة ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي رحلة شاقة لإعادة الثقة المفقودة بين الناس ومؤسساتهم، وقطع الطريق على أي محاولات لفرض "انقلابات" أو استخدام "الشارع" لتعطيل الحياة كما حدث في محطات سابقة أليمة مثل 7 مايو/ايار. نحن في لحظة الحقيقة: إما أن نبقى رهائن لتسويات إقليمية تبيع وتشتري فينا، أو نعبُر فعلياً نحو دولة حقيقية يحميها القانون، وتكون فيها الشرعية هي الحصن الوحيد الذي يتسع للجميع.