فنون الخيل العُمانية ترسم لوحات الجمال في 'بهلاء'
مسقط - أقيمت في ولاية "بهلاء" بمحافظة الداخلية في سلطنة عُمان مساء الجمعة الماضية، واحدة من أبرز الفعاليات التراثية التي أعادت تسليط الضوء على الفروسية التقليدية، حيث اجتمع الفرسان وملّاك الخيل في مشهد احتفالي استثنائي عكس عمق ارتباط العُمانيين بهذا الإرث المتجذر في ثقافتهم.
وشكّل المهرجان منصة حية لاستعراض ملامح الهوية العُمانية، حيث تداخلت عناصر التراث مع الأداء الفني في عروض الخيل، لتقديم تجربة متكاملة استقطبت جمهورا واسعا من مختلف الفئات، وسط أجواء من الحماس والتفاعل.
ومع انطلاق الفعاليات، برز "ركض العرضة" كأحد أبرز الفنون التي خطفت الأنظار، حيث تنافس الفرسان في تقديم عروض استعراضية جمعت بين الجرأة والدقة، في لوحات جسدت مهارات متقدمة تتطلب انسجامًا كبيرًا بين الفارس وجواده.
ويعدّ هذا الفن، من أبرز سمات الفروسية العُمانية، ويعكس تقاليد متوارثة تميز السلطنة عن غيرها في هذا المجال.
ويقوم هذا النوع من العروض على التنسيق الدقيق بين فارسين ينطلقان بسرعات عالية، قبل أن يلتقيا في لحظة محسوبة بدقة، في مشهد يتطلب توازنا استثنائيا وقدرة على التحكم الكامل بالخيل.
ويُظهر الفرسان خلاله مهارات متنوعة، من بينها الوقوف أثناء العدو أو تنفيذ حركات دقيقة تعكس احترافية عالية، ما يجعل العرض لحظة ذروة في أي مهرجان للفروسية.
ويكشف هذا النوع من الأداء عن فلسفة خاصة في الفروسية العُمانية، تقوم على الدمج بين القوة والانضباط والجمال، حيث لا يقتصر الأمر على السرعة أو المنافسة، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم عرض فني يعكس مهارات الفارس وقدرته على التفاعل مع الخيل بوصفه شريكًا في الأداء.
ولا يمكن الحديث عن الفروسية في عُمان دون التطرق إلى التنوع الكبير في فنونها، إذ تضم مجموعة من الممارسات التي تتكامل فيما بينها لتشكّل منظومة متكاملة من التراث الحي. ومن بين هذه الفنون، تبرز مهارات التقاط الأوتاد التي تتطلب دقة متناهية، حيث يندفع الفارس بسرعة لالتقاط أهداف صغيرة باستخدام أدوات تقليدية، في اختبار حقيقي للتركيز وسرعة الاستجابة.
وتحضر فنون أخرى تعكس الجانب الجمالي للعلاقة بين الفارس والخيل، من خلال استعراض مهارات الترويض والتحكم، حيث تتحول الحركة إلى لغة تواصل صامتة بين الطرفين. ويظهر ذلك بوضوح في العروض التي تعتمد على التناغم والانسيابية، ما يمنح الجمهور تجربة بصرية تجمع بين القوة والرشاقة.
ويكتسب الزي التقليدي الذي يرتديه الفرسان أهمية خاصة في هذه الفعاليات، إذ يُعد جزءا لا يتجزأ من المشهد العام، حيث يعكس الانتماء الثقافي ويضفي على العروض طابعا أصيلا. كما أن الزينة التي تُستخدم للخيل، بما تحمله من تفاصيل دقيقة، تعكس الحرفية العالية والاهتمام بالجوانب الجمالية التي تميز الفروسية العُمانية.
ومن اللافت في هذه المهرجانات، الحضور المتزايد للشباب، الذين أبدوا اهتماما واضحا بتعلم هذه الفنون وممارستها، ما يعكس نجاح الجهود المبذولة في نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة. كما شهدت الفعاليات مشاركة نسائية لافتة، تؤكد أن الفروسية لم تعد حكرًا على فئة معينة، بل أصبحت مساحة مفتوحة لكل من يمتلك الشغف والمهارة.
ويأتي هذا الاهتمام في إطار جهود متواصلة للحفاظ على الفروسية التقليدية، من خلال تنظيم الفعاليات وتوفير البنية التحتية المناسبة، بما يضمن استمرارية هذه الرياضات وتطورها. كما تسهم هذه المهرجانات في تعزيز السياحة الثقافية، حيث تجذب الزوار الراغبين في التعرف على التراث العُماني عن قرب.
وتمتد أهمية الفروسية لتشمل أبعادًا اجتماعية وثقافية، حيث تُسهم في تعزيز روح الانتماء والاعتزاز بالهوية، كما تشكّل وسيلة للتواصل بين الأجيال، من خلال نقل الخبرات والمعارف المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تُعد المهرجانات فرصة لإعادة إحياء القيم المرتبطة بالفروسية، مثل الشجاعة والانضباط والتعاون، وهي قيم لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي للمجتمع العُماني. كما تمثل هذه الفعاليات مساحة للتعبير عن الإبداع، حيث يبتكر الفرسان أساليب جديدة في الأداء مع الحفاظ على الجوهر التقليدي.
ومع تواصل هذه الأنشطة في مختلف ولايات السلطنة، تبرز الفروسية كأحد أهم عناصر الجذب الثقافي، حيث تجمع بين التاريخ والمهارة والفن في آن واحد. ويعكس ذلك قدرة المجتمع العُماني على الحفاظ على تراثه وتطويره بما يتناسب مع متطلبات العصر.
وفي ظل هذا الحضور المتجدد، تواصل الفروسية التقليدية في سلطنة عُمان ترسيخ مكانتها كرمز من رموز الهوية الوطنية، حيث تتجسد في كل عرض قصة من الماضي، وتُكتب من خلالها ملامح المستقبل، في مشهد يجمع بين الأصالة والتجدد، ويؤكد أن هذا الإرث سيظل حيًا في وجدان الأجيال القادمة.