فوانيس رمضان تضيء قلب القاهرة
القاهرة - في قلب العاصمة المصرية، وتحديدًا في حي السيدة زينب بمدينة القاهرة، تتوهج الأنوار المعلّقة على جنبات مسجد السيدة زينب، معلنة اقتراب شهر رمضان، فيما تصطف الشوادر لعرض الفوانيس و"الياميش" في مشهد يتكرر كل عام بطابع احتفالي خاص. المنطقة، المعروفة بزحامها الدائم، تزداد حيوية مع اقتراب الشهر الكريم، إذ يتدفق الأهالي لشراء احتياجاتهم استعدادًا لأيام الصيام.
الفانوس… أيقونة الفرح
أمام أحد المحال، ينشغل طفل في الثالثة عشرة من عمره مع شقيقته باختيار فانوس من بين عشرات الأشكال والألوان. تتلألأ عيونهما بالحماس، بينما تتعالى ضحكات أطفال آخرين يلحّون على ذويهم لاقتناء فانوس يضيء ليالي رمضان. تتنوع الخامات بين الخشب والصاج والبلاستيك والورق المقوّى، وبرزت هذا العام تصاميم مضيئة على هيئة هلال.
الأسعار متفاوتة، تبدأ من نحو 50 جنيهًا وقد تتجاوز ألف جنيه بحسب الحجم والخامة. وبينما تتدلى الفوانيس المضيئة في الشوادر، يتفنن التجار في جذب الزبائن بعبارات مرحة مثل: "والله بنبيع ببلاش!" و"قرب قرب!". ولا تفوت المارة فرصة التقاط الصور التذكارية وسط هذه الأجواء التي تمثل طقسًا سنويًا ثابتًا.
وتصدح في الخلفية أغانٍ رمضانية تراثية مثل "وحوي يا وحوي" و"رمضان جانا" و"أهو جه يا ولاد"، فتضفي مزيدًا من البهجة. ويُذكر أن الفانوس ظهر في مصر بصورته المعروفة منذ العصر الفاطمي عام 969 ميلادي، ليصبح لاحقًا أحد أبرز رموز رمضان في البلاد.
"الياميش"… زينة المائدة
ولا يقتصر الإقبال على الفوانيس، إذ يتوجه الزوار كذلك لشراء "ياميش رمضان" الذي يحتل مكانة أساسية على المائدة المصرية. تحت الشوادر، تتراص أكوام التمر والمشمش المجفف والزبيب وجوز الهند وقمر الدين، فيما ينادي التجار على بضاعتهم بحماس لافت.
يحرص المصريون تقليديًا على بدء إفطارهم بالتمر واللبن، وأحيانًا يضيفون المكسرات، مع انطلاق مدفع الإفطار وأذان المغرب. وتتراوح أسعار بعض الأصناف، مثل المشمشية، بين 400 و600 جنيه، بينما يتراوح سعر الزبيب بين 120 و160 جنيهًا، وسط شكاوى من الغلاء، يقابلها إصرار شعبي على الحفاظ على هذه العادة ولو بكميات أقل.
وبحسب تصريحات سابقة لنائب رئيس شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية، فإن قيمة واردات "ياميش رمضان" خلال عام 2024 بلغت نحو 140 مليون دولار، مستقرة من حيث القيمة مقارنة بالعام السابق، لكنها شهدت تراجعًا في الكميات بسبب ارتفاع الأسعار عالميًا.
وبينما تتواصل حركة البيع والشراء، يضفي بعض التجار أجواءً استعراضية، فيرتدي أحدهم الطربوش ويرقص بالعصا لجذب الانتباه، وسط تفاعل من الأطفال الذين يرتدي بعضهم طرابيش مماثلة. هذه الأجواء الكرنفالية تميز الأسواق الشعبية في مصر قبيل رمضان، ويظل حي السيدة زينب من أبرز وجهاتها.
تقاليد متوارثة
وترى أستاذة علم الاجتماع سامية خضر أن تمسك المصريين بهذه الطقوس يعكس عمق العادات المرتبطة برمضان في المجتمع، مشيرة إلى أن الأسر تحرص على غرس هذه المظاهر الاحتفالية في نفوس أبنائها كما ورثوها هم عن آبائهم.
وتؤكد أن الإقبال على شراء الفوانيس و"الياميش" رغم الضغوط الاقتصادية يمثل سعيًا جماعيًا لصناعة البهجة والحفاظ على هوية رمضانية متفردة. فبرأيها، يظل لشهر رمضان في مصر طابع خاص، يتجلى في الزينة المنتشرة بالطرق والشرفات، وفي الأجواء التي تدفع كثيرين من أنحاء العالم الإسلامي لزيارة البلاد والاستمتاع بروحانيته واحتفالاته المميزة.