قفزة قياسية لأسعار النفط تعيد خلط أوراق إدارة ترامب

البيت الأبيض يدرس إجراءات أكثر جرأة لاحتواء ارتفاع أسعار الطاقة مع اتساع الحرب على إيران.

واشنطن - تشهد أسواق الطاقة العالمية اضطرابات متزايدة مع استمرار الحرب على إيران، ما دفع البيت الأبيض إلى تكثيف جهوده للبحث عن إجراءات إضافية للحد من ارتفاع أسعار النفط والوقود داخل الولايات المتحدة، فيما يشكل ارتفاع أسعار الوقود معضلة بالنسبة للإدارة الأميركية باعتباره عاملا مؤثرا في الحسابات الانتخابية.

وقال مصدران مطلعان إن الإدارة الأميركية طلبت من عدد من الوكالات الاتحادية إعداد خيارات سياسية جديدة يمكن تنفيذها بسرعة، في إشارة إلى قلق متزايد من أن الخطوات المتخذة حتى الآن قد لا تكون كافية لكبح الأسعار.

وتأتي هذه التحركات في وقت قفزت فيه أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ أشهر، حيث تجاوزت العقود الآجلة للنفط الأميركي والعالمي حاجز 90 دولارا للبرميل، مدفوعة بتراجع الإمدادات من الشرق الأوسط بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. ويعد المضيق ممرا حيويا لنحو 20 بالمئة من إمدادات النفط اليومية في العالم، ما جعل أي اضطراب فيه ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية.

وفي الولايات المتحدة، انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على أسعار الوقود، فقد ارتفع متوسط سعر البنزين العادي الخالي من الرصاص إلى أكثر من 3.30 دولار للجالون، بينما وصل سعر الديزل إلى نحو 4.26 دولار للجالون، وهي مستويات لم تُسجل منذ أواخر عام 2024. ويخشى البيت الأبيض أن يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني.

وطلب مسؤولون من وزارات الطاقة والنقل والمالية، إضافة إلى وكالة حماية البيئة، تقديم مقترحات جديدة يمكن للرئيس دونالد ترامب تنفيذها دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس. ويشير ذلك إلى أن الإدارة تستعد لاحتمال اتخاذ خطوات أكثر جرأة إذا استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز.

وفي بيان رسمي، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز إن الإدارة تنسق بشكل وثيق مع الوكالات المعنية لمواجهة هذه القضية، مضيفةأن الرئيس ترامب وفريقه المعني بالطاقة وضعوا خطة للحفاظ على استقرار أسعار النفط قبل بدء العمليات العسكرية بوقت طويل، مؤكدين أنهم سيواصلون مراجعة جميع الخيارات المتاحة وتنفيذ ما يلزم منها عند الضرورة.

في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار النفط الخام الثقيل في ساحل الخليج الأميركي بشكل ملحوظ، إذ أدى خفض الإنتاج من بعض منتجي الشرق الأوسط إلى زيادة الطلب على النفط الأميركي كبديل. وقال وسطاء إن سعر خام "مارس" الحامض، وهو الخام الرئيسي المنتج في خليج المكسيك والمفضل لدى العديد من المصافي حول العالم، جرى تداوله يوم الجمعة بفارق 11 دولارا فوق خام غرب تكساس الوسيط، وهو أعلى مستوى منذ أبريل/نيسان 2020، بعدما كان الفارق لا يتجاوز 1.50 دولار قبل أسبوع واحد فقط.

ويرى محللون أن هذا الارتفاع يعكس التحول السريع في الطلب العالمي على أنواع النفط الثقيلة والمتوسطة، بعد تعطل الإمدادات القادمة من الخليج. وقال مات سميث، كبير محللي النفط في أميركا الشمالية لدى شركة "كبلر"، إن المصافي التي تعتمد على هذه الأنواع ستضطر إلى البحث عن بدائل قريبة في الخصائص، وهو ما يجعل خامات خليج المكسيك بديلا طبيعيا يجذب المشترين، خصوصا في آسيا.

كما ساهمت عوامل موسمية في دعم الأسعار، إذ يشهد هذا الوقت من العام عادة انتقال الأسواق من فصل الشتاء إلى موسم القيادة الصيفي، عندما يرتفع الطلب على الوقود. وقال تيم سنايدر، كبير الاقتصاديين في شركة "ماتادور إيكونوميكس"، إن اضطراب الإمدادات بسبب الحرب هو العامل الرئيسي الذي يدفع الأسعار حاليا، مرجحا استمرار هذا الاتجاه في المدى القريب إذا بقي مضيق هرمز مغلقا.

وفي إطار محاولاتها لتهدئة الأسواق، ناقشت الإدارة الأميركية مجموعة من الإجراءات المحتملة، من بينها إعفاء البنزين من الضرائب الاتحادية مؤقتا وتخفيف بعض القيود البيئية على وقود الصيف للسماح بخلط كميات أكبر من الإيثانول. كما تدرس وزارة الخزانة خطة تتعلق باستخدام سوق العقود الآجلة للنفط، رغم عدم وجود قرار فوري بشأن تنفيذها.

كذلك اتخذت واشنطن خطوة لدعم حركة الشحن البحري في الخليج، إذ أمر الرئيس ترامب بتوفير تأمين ضد الخسائر الناجمة عن المخاطر السياسية لشركات النقل البحري العاملة في المنطقة. وأعلنت الإدارة أيضا عن برنامج لإعادة التأمين بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار لتعزيز ثقة شركات شحن النفط والغاز في ظل الحرب.

ومع ذلك، أبدى بعض المحللين تشككا في قدرة هذه الإجراءات المالية وحدها على معالجة المخاطر الأمنية والتشغيلية المتزايدة في المنطقة، مشيرين إلى أن استمرار التوترات العسكرية قد يبقي أسواق الطاقة العالمية في حالة اضطراب لفترة أطول.