قلق الضمائر وبناء المعنى والهوية في 'أنا والقاتلة وظلالنا'
1 - مقدمة
منذ أن أشار إميل بنفنيست إلى أن اللغة لا تُفصح عن الذات إلا من خلال الضمير، وأن كل “أنا” تُوجد في لحظة القول ذاتها، أدرك النقد الحديث أن الضمائر ليست مجرد أدوات نحوية بل هي ممرّات لهُويةٍ تتشكّل في اللغة. فالضمير في السرد ليس علامةً لغويةً فحسب، بل كيان وجودي يُعبّر عن علاقة الكاتبة بذاتها وبالعالم. وفي الأدب النسوي العربي المعاصر، اكتسب الضمير وظيفة مزدوجة: أداة سرد، وفضاء مقاومةٍ للغياب والتهميش.
من هذا المنطلق، تأتي مجموعة "أنا والقاتلة وظلالنا" للقاصة التونسية حفيظة قاره بيبان (2025، دار نقوش عربية) بوصفها عملاً يضع اللغة والضمير في قلب الأسئلة الكبرى عن الذات، والجسد، والذاكرة، والكتابة.
إنّ عنوان المجموعة ذاته ــ أنا والقاتلة وظلالنا ــ يشي من البداية بأنّ الكاتبة لا تروي حكايات عادية، بل تدخل في لعبة مرايا ضميرية معقدة: "أنا" و"القاتلة" و"ظلالنا". ثلاث ذوات تتجاور وتتقاطع في جملة واحدة، تُفكّك الحدود بين القائل والمقول، بين "الأنا" الكاتبة و"الآخر" السارد و"الظل" المتكاثر بينهما.
تجعل قاره بيبان من الضمائر مسرحًا للوجود، ومن اللغة مجالًا للتأمل في الكينونة الأنثوية وهي تتكلم وتُصغي إلى صداها في المرايا. كل قصة من المجموعة تمارس انزياحًا ضميريًا خفيًا: تبدأ بـ"أنا" ثم تتحول إلى "هو" أو "أنت"، كما لو أنّ الكاتبة تختبر إمكانية أن تكون ذاتها في أكثر من صوت، وأن تكتب وجودَها عبر تعدد الأصوات لا عبر وحدتها.
2- مدخل إلى العالم القصصي: الذات الممزقة بين الحبّ والجريمة والكتابة
تتحرك مجموعة "أنا والقاتلة وظلالنا" في فضاءٍ سرديّ متوتر، يربط الخاصّ بالكوني، واليوميّ بالميتافيزيقيّ. من قصة "أنا القاتلة" التي تُفتتح بها المجموعة، يواجه القارئ منذ السطور الأولى صوتًا نسويًا متفجّرًا يقول:
"قررت أن أقتله… أنا، الهادئة الوديعة الحالمة."
بهذه الجملة، تتفجر اللغة فعل تمرد على الصمت. الضمير "أنا" هنا ليس مجرد صوت اعتراف، بل هو موقف وجوديّ يعيد تعريف الذات الأنثوية خارج أدوار الطاعة والامتثال.
في قصص أخرى مثل "امرأة الصباح"، و"بئرنا"، و"الجريمة"، تتكرر هذه اللعبة: الساردة تتكلم عن نفسها، ثم ترى ذاتها في المرآة، ثم تنفصل عن تلك الصورة لتخاطبها كما لو كانت "أنتِ" أو "هي"
تُصبح القصة عند قاره بيبان مختبرًا سرديًا لتحولات الهوية، حيث الضمير بنية رمزية تُجسّد الصراع بين الذات الكاتبة والذات المكتوبة، بين من يعيش ومن يروي، بين الحضور والظل.
تُعيد الكاتبة بذلك إلى الأذهان ما قاله رولان بارت عن الكتابة بوصفها "موتًا للمؤلف وولادة للغة"، لكنها تقلب المعادلة لتجعل الكتابة بعثًا للمرأة التي قُتلت رمزيًا بالصمت. فـ"أنا" عند قاره بيبان تكتب لتستعيد صوتها، لكنها سرعان ما تنقلب إلى "هي" لتتأمل نفسها من الخارج، وكأنّ فعل السرد ذاته يصبح تجربة علاجية ونقدية في آن.
3- ضمير المتكلم وتشكّل الذات الأنثوية
يحتل ضمير المتكلم مكانة مركزية في قصص المجموعة، ليس فقط من حيث التواتر اللغوي، بل من حيث حمولته الوجودية والنفسية. فالـ"أنا" في هذه النصوص ليست شفافة ولا مستقرة، بل "أنا" متصدعة، تكتب لتعيد بناء نفسها عبر اللغة.
في "أنا القاتلة"، يطلّ ضمير المتكلم من لحظة الغليان الداخلي، حين تتخذ الساردة قرار القتل. لكن القتل هنا لا يُفهم فعليًا، بل رمزيًا: إنه قتل الصورة النمطية للأنثى الوديعة، وقتل الصمت، وقتل الازدواج الذي فرضته الثقافة الأبوية. تقول:
"سأقتله… قبل أن يرتاب، وقبل أن يقرأ في عيني جريمتي المنذرة."
تبدو هذه الجملة كعتبة لولادة "أنا" جديدة: "أنا" الفعل والقرار، مقابل "أنا" الانتظار والخضوع.
وفق منظور جوليا كريستيفا، فإن "الضمير المتكلم" في الأدب النسوي يتحوّل إلى مكان لولادة اللغة الجديدة، حيث تتفكك الأشكال الأبوية للخطاب ليظهر صوت أنثوي متعدد الإيقاع. هذا ما تفعله قاره بيبان: فهي لا تمنح "الأنا" صفاءً اعترافياً، بل تضعها في اشتباك مستمر مع الخارج، مع الرجل، ومع اللغة نفسها.
في "امرأة الصباح"، نقرأ ذاتًا تتأمل وجهها في المرآة، وكأنها تكتشف أنها لم تعد تعرف من هي. تقول:
"أتأمل الوجه اللوزي المتعب… كأني أراه لأول مرة."
هنا تتحول "أنا" الكاتبة إلى "أنا" المتفرجة على ذاتها، وهي خطوة سردية دقيقة تُحوّل الضمير من مركز التحديد إلى فضاء للشكّ والتشظي.
المرأة في هذه النصوص لا تعرف نفسها إلا عبر الانفصال عن ذاتها، تمامًا كما تشير نانسي كوين إلى أنّ "الأنا الساردة في الأدب النسوي هي ذات تبحث عن خطابها في لحظة فقدانها له"
تغدو "أنا" عند قاره بيبان إذن صوتًا يحفر في الذاكرة والندم والذنب والحنين، لا صوتًا للتقرير والحسم. إنها "أنا" متكلّمة بقدر ما هي "أنا" مجروحة، تكتب لتتجاوز الجرح بالاعتراف، ولتجعل من الكتابة مرهمًا ضدّ الغياب.
في "بئرنا"، تتخذ "أنا" الساردة شكل الطفلة التي فقدت أخاها في البئر، فيتحول الضمير إلى أداة استعادة للذاكرة الجماعية والذاتية معًا. تقول:
"نضال… نضال… ناديته، لكنه كان قد اختفى."
هذه الـ"أنا" الطفلة تستدعي مأساة شخصية تتحوّل رمزيًا إلى مأساة وطنية؛ فالبئر ليست فقط مكان السقوط بل مجاز للذاكرة العربية الغارقة في قاع الحروب والفقدان. هنا يصبح ضمير المتكلم وسيلة لمساءلة التاريخ والذات والمجتمع في آن.
تتحول "الأنا" الساردة إذن إلى عينٍ تراقب، وجرحٍ ينزف، وصوتٍ يكتب كي لا يختفي. وهي في هذا المعنى تشبه ما وصفه بول ريكور بـ“هوية السرد”؛ أي أن الذات لا تُعرّف إلا من خلال قصتها، وأنّ السرد ليس مرآة للهوية بل هو ما يُنتجها.
لذلك، يمكن القول إنّ "الأنا" في قصص قاره بيبان ليست هوية جاهزة بل عملية مستمرة من التكوين وإعادة التكوين. فهي "أنا" تتعدد بتعدد القصص، تخرج من ذاتها لتتكلم بلسان أخرى، أو لتشهد على ذاتها من خارجها.
في المستوى الميتاسردي، نجد أن قاره بيبان تجعل "الأنا" الكاتبة جزءًا من اللعبة السردية ذاتها. فالكثير من القصص تدور حول فعل الكتابة نفسه، كما في "الجريمة" أو "القصة"، حيث تظهر الكاتبة أو البطلة وهي تكتب نصًا أو تحكيه. وهنا يتقاطع ضمير المتكلم مع مفهوم جينيت لـ"الميتاسرد" أي السرد الذي يتحدث عن السرد.
في "الجريمة"، تقول الساردة للطبيبة النفسية:
"بدأت أكتب رواية جديدة… بطلتها مريضة نفسية… أيمكن أن تصل حالتها إلى الجريمة؟"
تتحول "الأنا" هنا إلى ساردة داخل السرد، إلى كاتبة تخلق شخصياتها وهي تعيش أزماتها الخاصة، حتى تختلط حدود الواقع بالتخييل. إنها كتابة تشبه الحلم أو الجنون، حيث "الأنا" لا تملك قصتها بل تكتبها وهي تُكتب في الوقت ذاته.
في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ "الأنا" في أنا والقاتلة وظلالنا ليست ضميرًا نحوياً بل كياناً سردياً مفتوحاً، يتناسل منه ضمائر أخرى تُعيد تأويل التجربة الأنثوية.
4- الضمير الغائب والمخاطب بوصفهما مرآتين للهوية
إذا كان ضمير المتكلم في مجموعة "أنا والقاتلة وظلالنا" يمثّل لحظة التمرد والاعتراف، فإنّ الضميرين الغائب والمخاطب يشكلان مساحة تأمل ومساءلة، حيث تتحول "الذات" إلى "موضوع" منظور إليه، وتُستعاد من الخارج في صورة الآخر. فالساردة لا تكتفي بأن تقول "أنا"، بل تخرج من نفسها لترى ذاتها في صيغة "هي" أو “"أنتِ"، وكأنها تُعيد بناء هويتها عبر التباعد والنظر من الخارج.
يُذكّر هذا التبدّل بما أشار إليه جيرار جينيت من أنّ الضمير في السرد ليس مجرد وسيلة تقنية، بل هو أداة لتحديد موقع السارد من الحكاية وموقفه من ذاته والعالم. ففي “أنا القاتلة” على سبيل المثال، بعد انفجار "الأنا" المتمردة في البداية، يتحوّل الصوت السردي شيئًا فشيئًا إلى مراقب يصف ذاته كما لو كانت غريبة عنه. نقرأ:
"ما عدت المرأة الوديعة الحالمة ولا الكاتبة الهادئة الصبور، أشتغل بشغف على ورقي…"
هنا، يتراجع ضمير المتكلم ليُفسح المجال لضمير الغائب، فيتحول السرد من تجربة داخلية إلى مشهد خارجي يُرى بعين أخرى. هذه الاستراتيجية الضميرية تُتيح للكاتبة أن تمارس نوعًا من الانفصال الضروري عن الذات كي تراها في بعدها الدرامي والرمزي. فالتحول إلى ضمير الغائب هو إذن تحول من الاعتراف إلى التأمل، من الاندماج إلى المراقبة، ومن الذات إلى الآخر.
وفي قصة "امرأة الصباح"، تتجلى هذه التقنية بشكلٍ أكثر تعقيدًا، حيث تبدأ القصة بضمير الغائب:
"يقابلني وجه امرأة…" ثم سرعان ما نكتشف أن هذه "المرأة" ليست سوى الساردة نفسها، وأنّ ما يجري ليس لقاء بين اثنتين، بل مواجهة بين المرأة وصورتها في المرآة. فضمير الغائب هنا لا يُشير إلى آخر واقعي، بل إلى ظلّ الذات في المرآة. إنها "هي" التي ترى نفسها "كأنها أخرى"، فتكتشف أنها لم تعد هي.
يمكن القول إنّ الضمير الغائب عند قاره بيبان هو أداة لتجسيد الانقسام الداخلي للهوية. إنه تمثيل لغوي لما يسميه بول ريكور"“الغيرية في الذات"، أي أن كل "أنا" تتضمن داخلها "آخرًا" غريبًا عنها، وأنّ الهوية ليست تطابقًا بل سيرورة من الاختلاف.
فحين تقول الساردة "هي"، فإنها لا تهرب من نفسها بل تواجهها في مسافة رمزية تتيح الفهم والصفح. بهذا المعنى، يتحول ضمير الغائب إلى مساحة للتطهر من الألم، ووسيلة للكتابة من موقع "الشاهد" لا "الفاعل"، ومن موقع "الناجية" لا "الضحية".
أما ضمير المخاطب، فهو الأكثر إثارة في لعبة الضمائر لدى قاره بيبان. ففي عدد من القصص، مثل "القصة" و"القاتلة"، تخاطب الساردة "هو" أو "أنت" الذي يمثل الرجل أو الحبيب أو القاتل أو القرين. أحيانًا يكون هذا "الأنت" حقيقيًا، وأحيانًا مجرد صوت داخلي.
تقول في إحدى المقاطع: "سأقتله… قبل أن يرتاب، وقبل أن يقرأ في عيني جريمتي."
هنا، المخاطَب غائب فعليًا، لكنه حاضر في الوعي. إنّ الخطاب الموجه إليه ليس تبادلاً بين اثنين، بل حوار داخليّ بين الأنا وقرينها الذكوري.
تُعيد الكاتبة بذلك إنتاج ما سماه باختين "الحوارية"، أي أن الوعي لا يتكلم إلا في مواجهة صوت آخر. فضمير المخاطب عند قاره بيبان ليس مجرد “أنت” موجّهة، بل هو صوت يقابل "أنا" في مرآة السرد، يثيرها ويستفزها ويجعلها تنكتب.
في "لجريمة"، يتجلى هذا الحوار بوضوح حين تخاطب الساردة طبيبتها النفسية، فيبدو الخطاب موجهاً إلى "أنتِ" لكنها في العمق تحاور ذاتها المجروحة التي تبحث عن معنى الجريمة والكتابة. فالمخاطب ليس بالضرورة الآخر الخارجي، بل هو مرآة النفس المنقسمة بين الاعتراف والإنكار.
بهذه الطريقة، يتحول الضمير من مجرد وسيلة لغوية إلى بنية درامية تُنظم التوتر بين الأنا والآخر، بين الصمت والكلام، بين الحقيقة والوهم.
5- التحول بين الضمائر وبناء المعنى والظل
من أبرز سمات كتابة حفيظة قاره بيبان في هذه المجموعة هو التحول السلس والمفاجئ بين الضمائر. فالقصة الواحدة قد تبدأ بضمير المتكلم ثم تنزاح إلى الغائب أو المخاطب، من دون أن يشعر القارئ بقطيعة أو تناقض. هذا التعدد الضميري ليس عبثًا شكليًا، بل هو استراتيجية سردية لبناء المعنى في مستويات متراكبة. فكل ضمير يُعبّر عن موقع وجودي مختلف:
"أنا" تمثل الوعي المباشر بالذات.
"هي" تمثل المسافة النقدية والتأملية.
"أنت" تمثل الرغبة أو العتاب أو الخطاب الموجّه إلى الغياب.
في هذا التنقل بين الضمائر، يخلق النص ما يمكن تسميته بـ"الظل السردي"، أي تلك المنطقة الرمادية التي لا يمكن تحديد من يتكلم فيها بدقة. وهو ما نجده مثلًا في قصة "نجوم تهوي"، حيث تتداخل أصوات المرأة والحبيب والذاكرة في نسيج لغوي واحد. فالتحول في الضمير حسب جيرار جينات يخلق تحولًا في المنظور، والمنظور هو ما يحدد المعنى. بناءً على ذلك، يمكننا القول إنّ لعبة الضمائر عند قاره بيبان تُنتج منظورًا سيالًا يتيح للمعنى أن يتغير باستمرار. فحين تتكلم الساردة بضمير "أنا"، يكون المعنى اعترافًا واعتناقًا للحقيقة، وحين تتحول إلى "هي"، يصبح المعنى نقدًا ومساءلة، وحين تخاطب “أنت”، يتحول المعنى إلى رغبة أو حوار أو مقاومة.
الضمير إذن ليس أداة بل شبكة دلالية تُعيد تشكيل العلاقة بين الكاتبة وذاتها والعالم. وهو ما يجعل النصوص تتخذ شكل الموجة: مدّ من البوح، وجزر من التأمل، لتتكون من هذه الحركات المزدوجة الهوية الأنثوية الجديدة التي لا تُختزل في دور أو صورة.
6- أثر لعبة الضمائر في تشكيل الهوية السردية
من الناحية الأنثروبولوجية، يمكن القول إنّ لعبة الضمائر في "أنا والقاتلة وظلالنا" تعكس رحلة الذات الأنثوية من التشييُءِ إلى الوجود. فحين تقول المرأة "أنا"، فإنها تستعيد حقها في الكلام، وحين تتحول إلى "هي"، فإنها تعي أنها جزء من تاريخ طويل من الغياب، وحين تخاطب "أنت"، فإنها تفاوض الآخر على مساحة حضورها. بهذا المعنى، يصبح الانتقال بين الضمائر بنية للوعي النسوي لا مجرد تقنية أسلوبية.
تُذكّرنا هذه اللعبة بما تطرحه جوليا كريستيفا من فكرة "الموضوعية الشعرية للأنثوي"، حيث الكتابة تُعيد تشكيل الجسد واللغة معًا. فالمرأة لا تتكلم من موقع واحد، بل من مواقع متعددة: من الجرح، من الذاكرة، من الرغبة، ومن الحلم. وهذا ما نراه في قصص قاره بيبان التي تكتب فيها المرأة عن الجريمة والحبّ والموت والكتابة نفسها، من دون أن تحدد موقعًا ثابتًا لنفسها.
إنّ هذا التعدد الضميري يعكس رؤية فلسفية للهوية باعتبارها شبكة من العلاقات أكثر من كونها جوهرًا ثابتًا. فالذات لا توجد إلا في الحوار. وفي نصوص قاره بيبان، هذا "الآخر" قد يكون رجلاً، أو ظلًا، أو نصًا، أو ذاكرة، أو حتى مدينة. ومن خلال التبدل بين الضمائر، تفتح الكاتبة بابًا لتجربة سردية تمزج الواقعي بالحلمي، وتحوّل الألم الفردي إلى تأمل إنساني.
7- قلق الضمائر والمعنى الجمالي
جماليًا، تمنح لعبة الضمائر لقصص قاره بيبان إيقاعًا لغويًا داخليًا متغيّرًا، يشبه نبض القصيدة. فالسرد هنا ليس خطيًا بل نبضيًّا، يتنفس مع كل انتقال ضميري. تتغير زوايا الرؤية كما تتغير دلالات الفعل، ويتحوّل القارئ نفسه إلى شريك في إعادة بناء الصوت. حين يقرأ القارئ "أنا"، يشعر بالحميمية، وحين يسمع "هي"، يرى المشهد من الخارج، وحين يواجه "أنت"، يُستدعى إلى داخل النص ليصبح طرفًا في اللعبة.
وهكذا تُنتج الكاتبة تجربة قراءة تشاركية تجعل المعنى عملية مفتوحة لا تُغلق على تأويل واحد. تتماهى هذه التقنية مع تصور رولان بارت للنص الحديث بوصفه "نسيجًا من الأصوات لا صوتًا واحدًا"، ومع ما يقوله ميشال فوكو عن الكتابة فعلا يخلخل مبدأ الهوية الواحدة. فالنص عند قاره بيبان ليس صوت كاتبة فقط، بل هو تعدد للأصوات التي تسكنها، وصراع بين الحضور والغياب، بين الذات والجسد، بين السرد والاعتراف. من هنا يتجلى أثر قلق الضمائر لا باعتباره حيلة بل فلسفة جمالية، تمنح النص طاقته الشعرية عبر الانزياح بين ضمائر مختلفة، وتمنحه بعده النفسي والوجودي عبر كشف تشظي الذات. وتمنحه بعده الفني عبر خلق التوازن بين البوح والتمويه، وبين الاعتراف والإخفاء.
8- الخاتمة
في نهاية هذه القراءة، يبدو أنّ "أنا والقاتلة وظلالنا" ليست مجرد مجموعة قصصية بل هي رحلة في اللغة نحو الذات. فالضمائر هنا ليست علامات نحوية بل بيوت للمعنى والهوية:
"أنا" هي البيت الأول، الذي تنبعث منه الشرارة الأولى للكتابة.
"هي" هي البيت الذي تراه الذات من بعيد لتتأمل مصيرها.
"أنت" هو البيت المفتوح على الآخر، على العالم، على القارئ نفسه.
بهذا المعنى، تحقّق حفيظة قاره بيبان ما يمكن تسميته بـ"السرد الضميري"؛ سرد يجعل من التحولات اللغوية مرايا للوجود. فالكتابة هنا ليست رواية للأحداث بل بحث عن الذات الضائعة في اللغة، ومحاولة لإعادة صياغة علاقة المرأة بنفسها وبالعالم عبر فعل السرد. فتتجاوز المجموعة بذلك حدود القصة القصيرة التقليدية لتصبح تجربة فكرية وجمالية تعيد الاعتبار لصوت المرأة الكاتبة بوصفه فاعلًا لغويًا لا مفعولًا به، وبوصفها ذاتًا قادرة على خلق سردها الخاص، عبر لعبة الضمائر التي تُعيد كتابة الهوية في كل مرة.