'كريستال أفريقي' لهيثم حسين.. خطل البندقية المُراوغ
"كريستال أفريفي" لهيثم حسين، حكاية خيالية تصنع سردية مُفارقة وحاسمة في تصوّرها البديع، وتتجاوز حدود التخيّل لتلامس بنية الأنظمة الشمولية، عبر سردية مُتشابكة تربط بين جغرافيات متباعدة، تتقاطع فيها أنماط الفساد والهيمنة بنسب مُتفاوتة، مع تركيز لافت على قارتي آسيا وأفريقيا باعتبارهما فضاءين نموذجين لتمظهر السلطة العسكرية.
تقود الحكاية قارئها، بفعل أحذية العسكر التي ترسم خريطة الوصول، إلى الحقيقة التي تراها من ثقب فوهات البنادق؛ العين المعطوبة، إلى جانب ذلك، كما قال الراوي في صفحة (149) من الرواية: "كل جنرال في أفريقيا هو مشروع زعيمٍ انقلابيٍّ متوقّعٍ".
تنهض الرواية على مفارقة مركزية: الحكاية التي تنقذ هي ذاتها التي تقتل. فمن خلال سردٍ يتوسَّل أحداث التاريخ المعاصر، يعيد الكاتب تشكيل صورة الجنرال باعتباره نموذجاً مُتكرراً في هيكل السلطة الأفريقية، حيثُ يتحول إلى مشروع دائم للانقلاب والاستحواذ. وتُبرز الأصوات السردية داخل النص هذه الرؤية بوضوح، حين تربط بين الثراء الفاحش للنُخب العسكرية والبؤس المُزمن للطبقات الشعبية، في معادلة مُختلة لا تهدأ صراعاتها ولا تخمد.
إنها الحكاية الشفافة التي أراد لها الكاتب الكُردي السوري هيثم حسين، أن تفكك إحدى سرديات الأنظمة الشمولية عبر تخيله في رواية "كريستال أفريقي"، الصادرة في طبعتها الأولى من العام 2025، عن دار عرب للنشر والترجمة، في (230) صفحة.
لا يكتفي النص بتوصيف هذا الواقع من خلال أحداثه المُتواترة، إنّما يذهب إلى تفكيكه عبر بنية سردية ساخرة، تمتد حتَّى عتبة العنوان نفسه. إذ تتداخل القصة الرئيسة مع حكايات رديفة، لتشكّل نسيجاً حكائياً كثيفاً، يُعيد إنتاج الذاكرة بوصفها حقلاً مفتوحاً للمعنى، لا يخضع للزوال أو النسيان. وفي هذا السياق، تبرز ثيمة الهُوية بوصفها محوراً ناظماً، خاصة في ظل هيمنة الأنظمة العسكرية التي تعيد تشكيلها وفق منطق القوة.
تحاول الرواية أن تعيد الأرواح المنسية إلى واقعنا، وهذا ما ينقصنا أمام تدافع أحداث الحروب المُستمرة، التي لا تلبث أن تنشب بين الفينة والأخرى في زمن قياسي لا تتباعد مسافاته وفق مراسيم سياسة القتل المُمنهجة على أعناق الهُوية.
في واقع الحال، تشتبك الرواية سرديّاً بعمق مع القضية الكردية، لا من زاوية المظلومية التاريخية فحسب، لكن عبر نقد داخلي جريء يكشف تناقضات الذات الكردية وتشظيها. وهنا تتجلى أهمية النص في كونه يتجاوز الخطاب التمجيدي، ليطرح أسئلة أخلاقية مُعقدة حول الصراع الداخلي، ومسؤولية الفاعلين داخل الجماعة نفسها. هذه المقاربة الجريئة تمنح العمل بعداً نقدياً مُتوازناً، وتؤسس لوعي سردي أكثر نضجاً وصدقاً.
وتتجسد هذه الرؤية رمزياً في حضور طائر الحجل، الذي يتحول إلى استعارة مكثفة للخديعة الداخلية؛ إذ يستدرج أبناء جنسه إلى المصيدة، في صورة تعكس مأزق القومية حين تنقلب على ذاتها. كما يعزز ظهور الشخصية الكردية ضمن القوات الأجنبية هذا المعنى، بوصفه تعبيراً عن هزيمة مركبة، تدفع البطل إلى إِعادة التفكير في موقعه بين الانتماء والسلطة. ولم تكن عبارته الأخيرة في صفحة (220-221): "حقّاً ليس للأكراد سوى الجبال"، سوى رصف الطريق للتفكير على نسق جنرالات الحرب.
خرجت الكلمات من قلبه كالسهام في صفحة (215)، حيثُ قال في اعتراف صريح: "الأكراد بنادقُ بأيدي أسياد العالم لا غير، فلماذا نقنع أنفسنا بأوهام الندّيّة والفرادة والسيادة..!". ولم يبرح مكانه، حتَّى قال في صفحة (216): "لا أشكّ أنّ حبس القضايا العادلة في قفص الملل أخطر عليها من أعدائها أنفسهم"، مؤكداً أن العدو التاريخي الحقيقي ليس هو ما يبدو ماثلاً أمامنا في الميدان.
هناك أكثر من طريقة للمزاح الذي لن يضاعف من ثقل الواقع المُترهل في أزماته فقط، بل في العادة يفتح البصيرة نحو قضايا شعوب عالقة في خرائط الاستعمار الشائكة، على نحو أخص قضية الأكراد المُتشعبة والمُتشابكة في حدود أربعة دول: تركيا وايران والعراق وسوريا.
لذا ظل بطل الرواية مشدوداً للقومية أكثر من جغرافية الحدود السياسية، حيثُ أبقته تلك الوقائع طريد بلدته، حتَّى تفرغ إلى مطاردة المال المنهوب وملاحقته مع بأس عسكر أفريقيا القابض على الزناد، ومن جانب آخر تعرف على جزء من تاريخ زعماء أكراد احتضنتهم أرض أفريقيا لبعض الوقت خلال فترة نفيهم، علاوة على مواطنين أكراد لعب غياب الوطن دوراً كبيراً في انتشارهم في بعض الدول. رحلات كأنها كانت محاولة لتقفي آثار أكراد آخرين سبقوه إلى بعض مناطق أفريقيا المجهولة.
على مستوى الحدث، تتخذ الرواية من خطّ تهريب الأموال من العراق إلى أفريقيا مساراً سردياً مُشوقاً، يتيح لها التنقل بين فضاءات جغرافية مُتعددة. غير أن هذا المسار يُقرأ ككاشفٍ لبنية الفساد العابرة للحدود، حيث تتقاطع المصالح السياسية مع الاقتصاد غير المشروع، في شبكة مُعقدة يصعب تفكيكها.
انشغل الراوي بعملية تخليص الأموال المُهربة من البنك المركزي العراقي إلى دولة مالي، حيثُ ساهمت السفارة الروسية في تغطية تلك الرحلات المختلقة لعدد من مسؤولي نظام صدام حسين إلى سوريا. وتابع فيما بعد برفقة صديقه البريطاني، تلك المهمة على أرض الواقع، متنقلاً ما بين مالي وبنين وتوغو ومصر ولبنان وكردستان العراق ولندن في سبيل انتشال شحنة المال من قارة أفريقيا من فك ضباط الجيش عبر محاولات مُستميتة لم تفلح في خاتمة المطاف. وتبخر حلمه وضاع تحت أشعة شمس أفريقيا الحارقة. وفشل أخيراً من كان يحرر نصوص التحقيقات في الصحف من تحرير ثروة الدولارات الهائلة من يد الضباط الكبار في دولة توغو.
تبلغ الرواية ذروتها الرمزية في استدعاء المثل الكُردي "رزق الذئب الأعمى"، الذي يلخّص آلية الاستحواذ العشوائي على الثروات، دون جهد أو استحقاق. هنا، تتكثف دلالة النص في نقده الحاد لاقتصاد العنف، حيث تتحول البنادق إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة خارج أي منطق عادل. وعززت الأمثولة موقفها وموقعها في متن النص كنص صغيرٍ موازٍ إضافت إليه رمزية موضوعية لا تُضارع.
خصتنا الرواية بخيبات متصلة للراوي في ظل بحثه الدؤوب عن المال عبر مغامرات قادته للموت أكثر من مرة، وجعلتنا كقراء نتعاطف معه في الكثير من منزلقاته، وتعاطفنا معه في محنة الهُوية التي يكابد نيرانها، إضافة لفقدانه رفيقة دربه في أوحال قارة أفريقيا المُتعفِّنة بالفوضى والصراعات والفساد وسلطة البارود والميليشيات والإثنيات إبان أحداث الحرب الأهلية في رواندا بين قوميتى الهوتو والتوتسي.
أسلوبياً، يستفيد المؤلف، هيثم حسين من خلفيته الصحافية، فيقدّم سرداً واضحاً ومُتماسكاً، دون أن يفقد حساسيته الجمالية. إذ يوازن بين التوثيق والتخييل، ويمنح الخيال دوراً فاعلاً في تعميق الرؤية، لا في تزييفها. كما ينجح في بناء إيقاع سردي يحافظ على تماسك النص، رغم تعدد مساراته وتشعب قضاياه في جلاء يكشف عن حاسته التي مكنته من السيطرة على مجريات الأحداث داخل النص بوصفه الدقيق والمُنتظم لحالات الفساد المستشري في العالم برمته كواحدة من القضايا المعقدة، التي من الصعوبة بمكان الفكاك من سلسلتها الطويلة المُتخفية تحت الظل.
كما وظف الكاتب سياق نصه لتبني خيار مصداقية السرد بعيداً عن ممارسة التضليل بشكل مؤثر وواقعي فاعل اتخذه عن قناعة راسخة بأن الإبداع لا بد أن يكون جوهريّاً خلال السرد، وأن يلعب دوراً محورياً في الحفاظ على تدفق الخيال كركيزة أساسية في استمرارية ثراء الحِكاية وتشعبها في مسارات أخرى فائضة بالحبكة والتشويق والشغف، وفتح عن طريق ذلك باباً لم نكُن نُدركه في نصوص سابقة.
في المحصلة، تطرح "كريستال أفريقي" نفسها بوصفها نصاً مقاوماً، يسعى إلى تفكيك الخطابات السائدة، وكشف آليات القهر التي تعيد إنتاج الهزيمة، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. إنها رواية تفتح أفقاً نقدياً يتجاوز الإدانة المباشرة، نحو مساءلة أعمق لبنية الواقع، وصياغة صوت سردي يسعى إلى استعادة المعنى في عالم يزداد التباساً.