كيف يؤثر استهلاك القهوة على التوازن العصبي؟

دراسة صينية تجد أن شرب كوبين إلى ثلاثة أكواب من المشروب الصباحي المفضل يوميا يقلل خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب بفضل الكافيين ومضادات الأكسدة. ومع ذلك، تؤكد النتائج أن هذه الفوائد مرتبطة بالاعتدال.

شنغهاي – في وقت تتزايد فيه الدراسات التي تربط بين نمط الحياة والصحة النفسية، خلصت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في Fudan University إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة قد يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب، ما يعيد تسليط الضوء على أحد أكثر المشروبات انتشارًا في العالم بوصفه عاملًا محتملاً في دعم التوازن النفسي.

وبحسب نتائج الدراسة، التي استندت إلى تحليل بيانات صحية واسعة النطاق من قاعدة UK Biobank، تابع الباحثون أكثر من 460 ألف شخص على مدى زمني تجاوز 13 عامًا، في محاولة لفهم العلاقة بين استهلاك القهوة والحالة النفسية على المدى الطويل، ضمن واحدة من أكبر الدراسات من نوعها في هذا المجال.

وأظهرت النتائج أن الأفراد الذين يستهلكون ما بين كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة يوميًا كانوا الأقل عرضة للإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب، مقارنة بأولئك الذين لا يشربون القهوة على الإطلاق أو الذين يفرطون في استهلاكها.

ووصفت الدراسة هذه العلاقة بأنها تأخذ شكل "منحنى J"، حيث تتحقق الفوائد عند مستويات معتدلة، قبل أن تبدأ بالتراجع مع زيادة الكمية.

في المقابل، لاحظ الباحثون أن استهلاك كميات كبيرة من القهوة، خاصة ما يتجاوز أربعة إلى خمسة أكواب يوميًا، قد يرتبط بارتفاع نسبي في خطر الاضطرابات النفسية، في إشارة إلى أن التأثير الإيجابي المحتمل للقهوة يظل مشروطًا بالاعتدال.

ويرجح الباحثون أن تعود هذه النتائج إلى التأثيرات البيولوجية لمركبات القهوة، وعلى رأسها الكافيين، الذي يُعرف بقدرته على تحفيز الجهاز العصبي المركزي وتعزيز إفراز نواقل عصبية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، المرتبطة بتحسين المزاج والانتباه. كما تحتوي القهوة على نسبة عالية من مضادات الأكسدة التي قد تلعب دورًا في تقليل الالتهابات المرتبطة ببعض الاضطرابات النفسية.

الإفراط في استهلاك الكافيين قد يؤدي إلى نتائج عكسية

غير أن الدراسة تشير في الوقت ذاته إلى أن الإفراط في استهلاك الكافيين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها اضطرابات النوم وزيادة التوتر وتسارع ضربات القلب، وهي عوامل قد تسهم بدورها في تفاقم أعراض القلق لدى بعض الأفراد.

ولم تسجل الدراسة فروقات جوهرية كبيرة بين أنواع القهوة المختلفة، سواء كانت مطحونة أو سريعة التحضير أو منزوعة الكافيين، وإن كانت بعض التحليلات الفرعية تشير إلى أن وجود الكافيين قد يكون عنصرًا رئيسيًا في التأثير الإيجابي المرصود.

ويحذر الباحثون من تفسير النتائج على أنها علاقة سببية مباشرة، مؤكدين أن الدراسة تندرج ضمن الأبحاث الرصدية التي تُظهر ارتباطات إحصائية دون أن تثبت بشكل قاطع أن القهوة هي السبب المباشر في تقليل خطر القلق أو الاكتئاب. كما أشاروا إلى أن عوامل أخرى، مثل نمط الحياة العام، وجودة النوم، والحالة الصحية، قد تلعب دورًا في هذه العلاقة.

وتأتي هذه النتائج في سياق اهتمام متزايد عالميًا بفهم العوامل اليومية البسيطة التي قد تسهم في دعم الصحة النفسية، في ظل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب على مستوى العالم، ما يدفع الباحثين إلى دراسة تأثير العادات الغذائية، وعلى رأسها استهلاك القهوة، ضمن مقاربة أشمل للصحة العامة.

وفي المحصلة، تخلص الدراسة إلى أن القهوة، عند استهلاكها باعتدال، قد تشكل جزءًا من نمط حياة متوازن يدعم الصحة النفسية، دون أن تُعد بديلًا عن العلاجات الطبية أو النفسية المتخصصة.