لبنان عالق في تناقضات المصالح وصراع النفوذ

خلاف بين واشنطن وباريس وثقل إيراني وشد وجذب بين القوى السياسية وغياب عربي تام عوامل ترحل حلّ أزمة لبنان إلى أجل غير مسمى.
جمود سياسي واقتصادي يرخي بظلال ثقيلة على حياة اللبنانيين
الطبقة السياسية في لبنان عالقة في تناقضاتها الخاصة وهي سعيدة بكسب الوقت
الغياب العربي يترك لبنان فريسة لصراع المصالح والنفوذ بين قوى خارجية
حزب الله ليس القوة الوحيدة التي تدفع لبنان لمأزق أعمق لكنها الأكثر ارتهانا لسيادته وقراره

باريس - ليس ثمة ما يشير إلى أن لبنان سيخرج من أزمته قريبا في ظل غياب عربي تام وتكالب قوى خارجية عليه في صراع على المصالح والنفوذ وتناقض أجنداتها من فرنسا التي ألقت بثقلها إلى درجة أثارت حفيظة قوى لبنانية اعتبرت أنها تلعب دور الوصي على البلد إلى الولايات المتحدة التي عبرت صراحة عن عدم رضاها على التحرك الفرنسي وصولا إلى إيران التي تدفع بشدة لتحصين نفوذها وتقوية شوكة حليفها حزب الله.

وبين هذا وذاك تغرق الطبقة السياسية التي تأبى الرحيل، في صراعات داخلية وتناقض في المواقف وتضارب في المصالح إلا أنها أيضا تبدو راضية على هذا الوضع كسبا للوقت ولإعادة ترتيب أوراقها وربما تحالفاتها حتى لا تغادر السلطة.

وفي المحصلة يجد لبنان نفسه عالقا بين أكثر من طرف محلي وخارجي في صراع يدفع فيه الشعب اللبناني ثمنا باهظا إن لم يكن وقوده.

وخلال زيارة لباريس الشهر الماضي، أوضح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن واشنطن غير راضية عن إستراتيجية فرنسا للمساعدة في حل الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان.

ويقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجهود الدولية لانتشال المستعمرة الفرنسية السابقة من براثن أعمق أزمة تمر بها منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990. وسافر مرتين إلى لبنان منذ الانفجار الضخم الذي وقع في مرفأ بيروت في أغسطس/آب وألحق خرابا هائلا بالمدينة.

ماكرون يحاول استخدام النفوذ التاريخي لباريس في لبنان في إقناع السياسيين اللبنانيين المتناحرين بتبني خارطة طريق وتشكيل حكومة جديدة مكلفة باستئصال الفساد شرطا لإفراج المانحين عن مليارات الدولارات

ويحاول ماكرون استخدام النفوذ التاريخي لباريس في لبنان في إقناع السياسيين اللبنانيين المتناحرين بتبني خارطة طريق وتشكيل حكومة جديدة مكلفة باستئصال الفساد، وهو شرط أساسي للمانحين الدوليين بما في ذلك صندوق النقد الدولي لصرف مساعدات بمليارات الدولارات.

وكان من المقرر أن يعود في زيارة ثالثة يوم 22 ديسمبر/كانون الأول، لكنه أرجأ الرحلة أمس الخميس بعد أن ثبتت إصابته بفيروس كورونا. وسيحل قائد الجيش فرانسوا لوكوانتر محل الرئيس في زيارة القوات الفرنسية على الأرض، بينما قال مسؤول مشارك في تنظيم الزيارة إن ماكرون قد يتحدث هاتفيا مع الرئيس اللبناني ميشال عون لكن لا توجد خطط أخرى في الوقت الحالي.

ومنذ البداية، واجه الزعيم البالغ من العمر 42 عاما جمود الطبقة السياسية اللبنانية المنقسمة، التي اشتبكت فيما بينها وتجاهلت التحذيرات الدولية من إفلاس الدولة، فضلا عن رفض واشنطن لخططه.

وقال نديم خوري من مبادرة الإصلاح العربي "الطبقة السياسية اللبنانية عالقة في تناقضاتها الخاصة وهي سعيدة بكسب الوقت"، مضيفا "رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري غير قادر على تشكيل حكومة وعلى الصعيد الدولي لن تسهل الولايات المتحدة الجهود الفرنسية لتشكيل حكومة".

ويتركز اعتراض الولايات المتحدة على خطة ماكرون على حزب الله، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران والتي تتمتع بقوة هائلة في لبنان وتصنفها واشنطن منظمة إرهابية.

وكُلف الحريري وهو رئيس وزراء سابق، بتشكيل حكومة بعد استقالة مصطفى أديب في سبتمبر/أيلول. ويجد الحريري صعوبة حتى الآن في تشكيل حكومة تتقاسم السلطة مع جميع الأحزاب اللبنانية، بما في ذلك حزب الله.

حزب الله القوة المهيمنة في لبنان بنواب منتخبين ومناصب في الحكومة ورغم تأثر دعم إيران له بسبب العقوبات الأميركية، لا يزال الحزب أحد دعائم النفوذ الإقليمي لطهران

وقال ثلاثة مسؤولين فرنسيين إن باريس لم تكن راغبة في البداية في اضطلاع الحريري بهذا الدور، بعد أن فشل في السابق في تنفيذ إصلاحات، لكن في ظل عدم إحراز تقدم في تشكيل حكومة ذات مصداقية، لم يعارض ماكرون الترشيح. وتقول فرنسا إن ذراع حزب الله المنتخب له دور سياسي مشروع.

وفرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على ثلاثة سياسيين بارزين متحالفين مع حزب الله. وخلال مأدبة عشاء في باريس الشهر الماضي مع ثمانية سفراء، بعضهم سفراء دول أوروبية، أوضح بومبيو أن واشنطن ستفرض المزيد من الإجراءات إذا كان حزب الله جزءا من الحكومة، وفقا لشخصين مطلعين على زيارته.

وردا على التأكيدات بأن الولايات المتحدة غير راضية عن الجهود الفرنسية، قال مسؤول رئاسي فرنسي إن الرئيس دونالد ترامب وبومبيو عبرا بوضوح في عدة مناسبات عن دعمهما للمبادرة الفرنسية لتشكيل "حكومة جديرة بتلقي المساعدات الدولية"، مضيفا أن الولايات المتحدة شاركت في مؤتمرين للمانحين نظمتهما فرنسا، مما يؤكد دعمها.

وقالت الخارجية الأميركية في بيان بعد لقاء بومبيو مع ماكرون، إن الاثنين ناقشا "التهديدات الكبيرة للأمن العالمي وجهود مكافحة التطرف العنيف وسلوك إيران المزعزع للاستقرار وتأثير حزب الله الخبيث في لبنان".

وللمأزق تداعيات خطيرة على جميع الأطراف فبدون دعم الولايات المتحدة، لن تمنح المنظمات الدولية والجهات المانحة لبنان الأموال التي يحتاجها للخروج من أزمة مالية يقول البنك الدولي إنها ستشهد على الأرجح سقوط أكثر من نصف السكان في براثن الفقر بحلول عام 2021.

وبعد أن تعهد وسط الأنقاض في بيروت بعدم التخلي عن الشعب اللبناني، يسعى ماكرون لإظهار بعض النجاح على صعيد السياسة الخارجية في المنطقة بعد أن خرج خالي الوفاض من مبادرات رفيعة المستوى بشأن ليبيا وإيران في السنوات الأخيرة.

وبالنسبة للإدارة الأميركية المنتهية ولايتها، فإن اتخاذ موقف صارم من حزب الله يمثل أمرا حاسما لإثبات أن سياستها العامة في الشرق الأوسط، بما في ذلك سياسة الضغوط القصوى على إيران، فعالة.

انفجار مرفأ بيروت.. منعطف خطير في اسوأ أزمة يمر بها لبنان
انفجار مرفأ بيروت.. منعطف خطير في اسوأ أزمة يمر بها لبنان

وقال ثلاثة دبلوماسيين إنهم لا يتوقعون أن يغير الرئيس المنتخب جو بايدن السياسة بسرعة بالنظر إلى طبيعة موقف الولايات المتحدة القائم على دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي والأولويات الأخرى للإدارة الجديدة.

وقال بايدن إنه يخطط للتراجع عن سياسة الضغوط القصوى لسلفه ترامب على إيران والتي وصفها "بالفشل الخطير"، لكن مصادر مطلعة على تفكيره قالت إنه لن ينأى بنفسه عن استخدام العقوبات.

وأدت الخلافات مع واشنطن إلى تفاقم ما يمثل دائما تحديا صعبا لماكرون. وعندما تناول الغداء مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري في الأول من سبتمبر/أيلول، كان هدفه ضمان التزام بري زعيم حركة أمل الشيعية بمهلة لتشكيل حكومة جديدة.

وأصر ماكرون على مهلة تتراوح بين عشرة أيام و15 يوما، وفقا لمصدر مطلع على الاجتماع. ورد بري وهو من الشخصيات القوية في الحياة السياسة اللبنانية وكانت له يد في اختيار وزراء رئيسيين في السابق، قائلا "إن شاء الله.. إن شاء الله". رفع ماكرون يده موضحا رفضه ذلك وشدد مجددا على مطالبه.

وقال مكتب ماكرون "الرئيس يواصل اتصالاته مع مختلف اللاعبين السياسيين في لبنان كما تعهد به من قبل".

وبعد أسبوع، وعلى الرغم من أن ماكرون قال إنه حمل جميع الفصائل على دعم خطته، فقد أدرجت الولايات المتحدة وزيرين سابقين، أحدهما من حركة أمل على القائمة السوداء بسبب روابطهما بحزب الله.

وقال ماكرون بعد ذلك بوقت قصير، ردا على سؤال عن عدم ترحيب الولايات المتحدة بجهوده "أنتم محقون في القول إن سياسة العقوبات التي تتبعها الإدارة الأميركية، دون تشاور أو تنسيق معنا، أدت إلى توتر الوضع".

ومنذ ذلك الحين فُرضت عقوبات على جبران باسيل صهر عون الذي يرأس التيار الوطني الحر أكبر حزب مسيحي في لبنان، بسبب علاقاته بحزب الله. ويقول دبلوماسيون أميركيون وأوروبيون وإقليميون إن عقوبات جديدة تلوح في الأفق.

وأصبح حزب الله القوة المهيمنة في لبنان، بنواب منتخبين ومناصب في الحكومة. ورغم تأثر دعم إيران له بسبب العقوبات الأميركية، لا يزال الحزب أحد دعائم النفوذ الإقليمي لطهران.

ويقول مسؤولون فرنسيون إن الإجراءات العقابية الأميركية لم تفعل شيئا لتغيير الوضع على الأرض. وقال مسؤول رئاسي فرنسي للصحفيين في الثاني من ديسمبر/كانون الأول "لم يوقفوا أي شيء... لكنهم لم يفتحوا المجال لأي شيء أيضا".

وقالت دوروثي شيا السفيرة الأميركية في لبنان في مؤتمر عبر الإنترنت لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إنه رغم أن الأولوية القصوى هي لتفادي فشل الدولة في لبنان، فإن واشنطن ترى أن حزب الله "لا يخدم سوى أسياده الإيرانيين"، وقالت إن الإجراءات الأميركية لها تأثير.

وتعتبر إسرائيل، أوثق حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إيران أكبر تهديد لها وترى حزب الله الخطر الرئيسي على حدودها.

وقال مسؤولون إيرانيون إن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على اتصال بطهران لبحث كيفية التعامل مع مبادرة ماكرون، لكنهم لن يسمحوا بإضعاف الحزب.

في غضون ذلك، وجد ماكرون نفسه وحيدا وهو يوجه اللوم إلى السياسيين اللبنانيين للتقاعس عن التزاماتهم. وقال في الثاني من ديسمبر/كانون الأول "حتى اليوم، لم يتم الوفاء بهذه الالتزامات. حتى الآن، لا يوجد ما يظهر أنها كانت أكثر من مجرد كلمات. وهذا ما يؤسفني".